إغاثة اللهفان

ومما يشهد لصحة أقوال السلف قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥].

قال الكلبي: «ألزمناهم قرناء من الشياطين»١.

وقال مقاتل: «هيأنا لهم قرناء من الشياطين»٢.

وقال ابن عباس: «ما بين أيديهم: من أمر الدنيا، وما خلفهم: من أمر الآخرة»٣.

والمعنى: زيَّنوا لهم الدنيا حتى آثروها، ودعوْهم إلى التكذيب بالآخرة والإعراض عنها.

وقال الكلبي: «زيَّنوا لهم ما بين أيديهم من أمر الآخرة: أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث؛ وما خلفهم من أمر الدنيا: ما هم عليه من الضلالة»٤.

وهذا اختيار الفرَّاء٥.

وقال ابن زيد: «زيَّنوا لهم ما مضى من خبيث أعمالهم، وما يستقبلون منها»٦.

  1. (١) انظر: البسيط للواحدي (١٩/ ٤٥٠)، وفيه بقية الأقوال المذكورة هنا.
  2. (٢) انظر: تفسير مقاتل (٣/ ٧٤١)، وفيه: «من الدنيا» بدل «من الشياطين».
  3. (٣) لم أقف عليه من تفسير ابن عباس، ورواه ابن جرير في تفسيره (٢١/ ٤٥٩) من قول السدي.
  4. (٤) انظر: تفسير الماوردي (٥/ ١٧٨). و«قال الكلبي ... الضلالة» ساقطة من الأصل.
  5. (٥) انظر: معاني القرآن له (٣/ ١٧).
  6. (٦) انظر: تفسير الرازي (٢٧/ ١٠٣).
182

والمعنى على هذا: زيَّنوا لهم ما عملوه، فلم يتوبوا منه، وما يعزمون عليه، فلا ينوون تركه.

فقول عدو الله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يتناول الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، فإن كاتب الحسنات عن اليمين يَستحِثُّ صاحبه على فعل الخير، فيأتيه الشيطان من هذه الجهة يُثبّطه عنه، وكاتب السيئات عن الشمال ينهاه عنها، فيأتيه [٣٢ أ] الشيطان من تلك الجهة يُحرّضه عليها؛ وهذا تفصيل ما أجمله في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].

وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ١١٧ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ١١٨ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ١١٩ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١١٧ - ١٢٠].

قال الضحاك: «مفروضًا أي: معلومًا»١.

وقال الزجاج: «أي: نصيبًا أفترِضُه على نفسي»٢.

قال الفراء: «يعني ما جُعل له عليه السبيلُ من الناس فهو كالمفروض»٣.

  1. (١) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١٢) من طريق جويبر عنه.
  2. (٢) معاني القرآن له (٢/ ١٠٩)، وزاد المسير (٢/ ٢٠٥).
  3. (٣) انظر: معاني القرآن له (١/ ٢٨٩)، وتفسير الخازن (١/ ٥٩٩).
183

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي