إغاثة اللهفان

قلت: حقيقة الفَرْض هو التقدير، والمعنى: أن من اتّبع الشيطانَ وأطاعه فهو من نصيبه المفروض، وحظّه المقسوم، فكل من أطاع عدو الله فهو من مفروضه، فالناس قسمان: نصيب الشيطان ومفروضه، وأولياء الله وحزبه وخاصته.

وقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾، يعني: عن الحق، ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، قال ابن عباس: «يريد: تسويف التوبة وتأخيرها»١.

وقال الكلبي: «أُمنيّهم أنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث»٢.

وقال الزجاج: «أَجمع لهم مع الإضلال أن أُوهِمَهم أنهم ينالون مع ذلك حظّهم من الآخرة»٣.

وقيل: لأمنّينهم ركوب الأهواء الداعية إلى العصيان والبدع.

وقيل: أمنّيهم طولَ البقاء في نعيم الدنيا، فأُطِيل لهم الأمل فيها؛ ليُؤْثِرُوها على الآخرة.

وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، البَتْك: القطع؛ وهو في هذا الموضع: قطع آذان البَحِيرة؛ عند جميع المفسرين٤.

ومن هاهنا كره جمهور أهل العلم تثقيب أذني الطفل للحَلَقِ، ورخّص

  1. (١) انظر: زاد المسير (٢/ ٢٠٥) وتفسير الخازن (١/ ٥٩٩).
  2. (٢) انظر: تفسير الخازن (١/ ٥٩٩).
  3. (٣) معاني القرآن (٢/ ١٠٩).
  4. (٤) انظر: البسيط للواحدي (٧/ ١٠٢). وفيه أغلب الأقوال المذكورة هنا في تفسير الآية.
184

بعضهم في ذلك للأنثى دون الذكر؛ لحاجتها إلى الحلية، واحتجوا بحديث أمّ زَرْعٍ، وفيه: «أنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ»، وقال النبى ﷺ: «كنتُ لك كأبي زَرْعٍ لأمّ زَرْع»١.

ونصَّ أحمد على جواز ذلك في حق البنت؛ وكراهته في حق الصبي.

وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾:

قال ابن عباس: «يريد: دين الله»٢.

وهو قول إبراهيم٣، ومجاهد٤، والحسن٥، والضحاك٦،

  1. (١) أخرجه البخاري (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨) عن عائشة.
  2. (٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١٨) من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥٩٨٥) من طريق مطرف عن رجل عنه، وعزاه في الدر المنثور (٢/ ٦٩٠) لابن المنذر.
  3. (٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٣)، وعلي بن الجعد في مسنده (٢٥٠٥)، وابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١٨، ٢٢٠)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٥) من طريقين عنه، ومن طريق ابن الجعد رواه الهروي في ذم الكلام (٨٢٣)، وعزاه في الدر المنثور (٢/ ٦٩٠) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.
  4. (٤) رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٧٣)، وفي المصنف (٤/ ٤٥٧)، وابن جرير في تفسيره (٩/ ٢١٨، ٢١٩)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٥) من طرق عن مجاهد، وعزاه في الدر المنثور (٢/ ٦٩٠) لآدم وعبد بن حميد وابن المنذر.
  5. (٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٠٦٩)، وتفسير الثعلبي (٣/ ٣٨٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ٢٥)، وتفسير البغوي (٢/ ٢٨٩)، وتفسير الرازي (١١/ ٣٩).
  6. (٦) رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٢٢٠) من طريق عبيد بن سليمان وعيسى بن هلال - فرقهما - عن الضحاك.
185

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي