إغاثة اللهفان

ثم قال: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾، فوَعْدُه ما يصل إلى قلب الإنسان، نحو: سيطول عمرُك، وتنال من الدنيا لذّتك، وستعلو على أقرانك، وتظفر بأعدائك، والدنيا دُوَلٌ، ستكون لك كما كانت لغيرك، ويُطوِّل أملَه، ويَعِدُه بالحُسْنى على شِركه ومعاصيه، ويُمنّيه الأمانيَّ الكاذبة على اختلاف وجوهها.

والفرق بين وعده وتمنيته١: أن الوعد في الخبر، والتمنية في الطلب والإرادة؛ فيعده الباطل الذي لا حقيقة له وهو الغرور ويُمنِّيه المحال الذي لا حاصل له.

ومن تأمَّل أحوال أكثر الناس وجدهم متعلّقين بوعده وتمنيته وهم لا يشعرون؛ يَعِدُ الباطل، ويمنِّي المحال، والنفس المهينة التي لا قَدْر لها تغتذي بوعده وتمنيته، كما قال القائل:

مُنًى إنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أحْسَنَ المُنَىوَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغْدَا٢

فالنفس المبطلة الخسيسة تلتذ بالأمانيّ الباطلة والوعود الكاذبة، وتفرح بها كما يفرح بها النساء والصبيان ويتحركون لها، فالأقوال الباطلة مصدرها وعد الشيطان وتمنيته؛ فإنه يُمنِّي٣ أصحابها الظَّفر بالحق

  1. (١) في أغلب النسخ: «تمنيه».
  2. (٢) البيت لرجل من بني الحارث في حماسة أبي تمام (٢/ ١٤٤)، وذيل أمالي القالي (ص ١٠٢)، ومجموعة المعاني (ص ١٤١)، ولبعض الأعراب في عيون الأخبار (١/ ٢٦١)، وبلا نسبة في الصناعتين (ص ٧٧)، وزهر الآداب (١/ ٣٥٢).
  3. (٣) م: «فإنها تمني».
187

وإدراكه، ويَعدُهم الوصول إليه من غير طريقه، فكل مُبطِلٍ فله نصيبٌ من قوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨].

قيل: ﴿يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾، يخوّفكم به، يقول: إن أنفقتم أموالكم افتقرتم.

﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾، قالوا: هي البخل في هذا الموضع خاصة.

ويُذكر عن مقاتل١ والكلبي٢: «كل فحشاء في القرآن فهي الزنى إلا في هذا الموضع؛ فإنها البخل».

والصواب أن الفحشاء على بابها، وهي كل فاحشة، فهي صفة لموصوف محذوفٍ، فحذف موصوفها إرادةً للعموم؛ أي بالفَعْلة الفحشاء، والخُلّة الفحشاء، ومن جملتها البخل.

فذكر سبحانه وعد الشيطان وأمره، يأمر بالشر، ويُخوِّف من فعل الخير، وهذان الأمران هما جماع ما يطلبه الشيطان من الإنسان؛ فإنه إذا خوّفه من فعل الخير تركه، وإذا أمره بالفحشاء وزيّنها له ارتكبها.

وسمَّى سبحانه تخويفه وَعْدًا؛ لانتظار الذي خوَّفه إياه كما ينتظر الموعود ما وُعد به.

ثم ذكر سبحانه وعده على طاعته، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهى المغفرة والفضل، فالمغفرة: وقاية الشر، والفضل: إعطاء الخير.

  1. (١) انظر: تفسير الثعلبي (٢/ ٣٩، ٢٧٠)، وتفسير القرطبي (٢/ ٢١٠).
  2. (٢) انظر: تفسير البغوي (١/ ٣٣٣). والبسيط للواحدي (٤/ ٤٢٩).
188

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي