إغاثة اللهفان

وفى الحديث المشهور: «إن للملَك بقلب ابن آدم لَمّةً، وللشيطان لمّةً، فلمّةُ الملك: إيعاد بالخير، وتصديق بالوعد، ولمّةُ الشيطان: إيعاد بالشر، وتكذيبٌ بالوعد»، ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ الآية١.

  1. (١) رواه الترمذي (٢٩٨٨)، والنسائي في الكبرى (١١٠٥١)، وأبو يعلى (٤٩٩٩)، وغيرهم من طريق هناد، والبزار (٢٠٢٧)، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٢٠) من طريق الحسن بن الربيع، كلاهما عن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن مرة عن ابن مسعود مرفوعًا، قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، لا نعلمه مرفوعًا إلا من حديث أبي الأحوص»، وصححه ابن حبان (٩٩٧)، وأحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري (٥/ ٥٧٢). قال البزار: «رواه غير أبي الأحوص موقوفًا»، فرواه عمرو وجرير وحماد بن سلمة عند ابن جرير (٥/ ٥٧٢ - ٥٧٥)، وحماد بن زيد عند الطبراني في الكبير (٩/ ١٠١)، أربعتهم عن عطاء به موقوفًا، قال أبو حاتم كما في العلل (٢/ ٢٤٤): «هذا من عطاء بن السائب، كان يرفع الحديث مرة ويوقفه أخرى»، ورجح أبو زرعة وقفه، وقال ابن تيمية كما في المجموع (٤/ ٣١ - ٣٢): «هو محفوظ عن ابن مسعود، وربما رفعه بعضهم إلى النبي ﷺ». وورد من وجه آخر عن عطاء موقوفًا، فرواه مسعر - كما في تفسير ابن كثير (١/ ٧٠٠) - عن عطاء عن عوف بن مالك عن ابن مسعود، ورواه ابن علية - عند ابن جرير (٥/ ٥٧٢) - عن عطاء عن مرة أو عوف عن ابن مسعود .. وقد توبع عطاء على الرفع وعلى الوقف، فرواه ابن مردويه - كما في تفسير ابن كثير (١/ ٧٠٠) - من طريق أبي ضمرة عن الزهري، والبيهقي في الشعب (٤/ ١٢٠) من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان، كلاهما عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن مسعود مرفوعًا، ورواه ابن المبارك في الزهد (١٤٣٥)، وأحمد في الزهد (ص ١٥٧) من طريق المسيب بن رافع عن عامر بن عبدة عن ابن مسعود موقوفًا، ورواه عبد الرزاق في التفسير (١/ ١٠٩)، وأبو داود في الزهد (١٧٤) عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن مسعود موقوفًا.
189

فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهارًا كله، وآخر بضده.

فصل

ومن كيده للإنسان: أنه يُورِده المواردَ التي يُخيَّل إليه أن فيها منفعته، ثم يُصْدِرُهُ المصادر التي فيها عطبه، ويتخلّى عنه ويُسلِمه ويقف يشمتُ به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنى والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدرٍ في صورة سُراقة بن مالك، وقال: إني جارٌ لكم من بني كِنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدوُّ الله جنودَ الله من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم وأسلمهم، كما قال حسان:

دَلّاهُمُ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْإِنَّ الخبِيثَ لمنْ وَالاهُ غَرّارُ١

وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها، أمره بالزنى بها ثم بقتلها، ثم دلّ أهلها عليه، وكشف [٣٣ أ] أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه، وفيه أنزل الله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ

  1. (١) البيت في ديوانه (ص ٤٧٦)، وسيرة ابن هشام (١/ ٦٦٤).
190

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي