فالملك والشيطان يتعاقبان على القلب تعاقب الليل والنهار، فمن الناس من يكون ليله أطول من نهاره، وآخر بضده، ومنهم من يكون زمنه نهارًا كله، وآخر بضده.
فصل
ومن كيده للإنسان: أنه يُورِده المواردَ التي يُخيَّل إليه أن فيها منفعته، ثم يُصْدِرُهُ المصادر التي فيها عطبه، ويتخلّى عنه ويُسلِمه ويقف يشمتُ به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة والزنى والقتل، ويدل عليه ويفضحه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال: ٤٨]، فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدرٍ في صورة سُراقة بن مالك، وقال: إني جارٌ لكم من بني كِنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريكم بسوء، فلما رأى عدوُّ الله جنودَ الله من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرَّ عنهم وأسلمهم، كما قال حسان:
وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها، أمره بالزنى بها ثم بقتلها، ثم دلّ أهلها عليه، وكشف [٣٣ أ] أمره لهم، ثم أمره بالسجود له، فلما فعل فر عنه وتركه، وفيه أنزل الله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
(١) البيت في ديوانه (ص ٤٧٦)، وسيرة ابن هشام (١/ ٦٦٤).
قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]، وهذا السياق لا يختص بالذي ذُكرت عنه هذه القصة١، بل هو عامّ في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر، لينصره ويقضي حاجته؛ فإنه يتبرأ منه ويُسْلمه كما يتبرأ من أوليائه جملةً في النار، ويقول لهم: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾[إبراهيم: ٢٢]، فأوردهم شرَّ الموارد، وتبرأ منهم كلَّ البراءة.
وتكلَّم الناس في قول عدو الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾٢:
فقال قتادة٣، وابن إسحاق٤: «صدق عدو الله في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى مَا
(١) هذه القصة وردت في حديث مرفوع رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان (٦١)، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٧٢) عن عبيد بن رفاعة يبلغ به النبي ﷺ، وعبيد ولِد على عهد النبي ﷺ ولا يصحّ سماعه، ولذا حكم العراقي في تخريج الإحياء (٢/ ٧١٩) على الحديث بالإرسال. ووردت عن عددٍ من الصحابة: فرواها عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٨٥)، وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥) وغيرهم عن علي ﵁، وعن عبد الرزاق رواه ابن راهويه ــ كما في إتحاف الخيرة (٥٨٥٧) ــ، والبيهقي في الشعب (٤/ ٣٧٣)، وصححه الحاكم (٣٨٠١)، ورواها ابن جرير أيضًا (٢٣/ ٢٩٥) عن ابن مسعود ﵁، ورواها ابن جرير (٢٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، والثعلبي في تفسيره (٩/ ٢٨٤، ٢٨٥) من طرق عن ابن عباس ﵄. ووردت أيضًا عن بعض التابعين.
(٢) أكثر الأقوال المذكورة هنا في البسيط للواحدي (١٠/ ١٩١ ــ ١٩٢).
(٣) رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٩١٦٤) من طريق يزيد بن زريع عن سعيد عنه، وعزاه في الدر المنثور (٤/ ٧٩) لأبي الشيخ.
(٤) سيرة ابن هشام (٣/ ٢٨٥)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٨) عن ابن حميد عن سلمة عنه.