فإن الله سبحانه أنزل لباسين: لباسًا ظاهرًا يواري العورة ويسترها، ولباسًا باطنًا من التقوى، يُجَمِّلُ العبد ويستره، فإذا زال عنه هذا اللباس انكشفت عورته الباطنة، كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها.
ثم قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾؛ أي: إلا كراهة أن تكونا ملكين، وكراهة أن تخلدا في الجنة، ومن هاهنا دخل عليهما؛ لما عرف أنهما يريدان الخلود فيها. وهذا باب كيدِه الأعظم الذي يدخل منه على ابن آدم؛ فإنه يجري منه مجرى الدم١، حتى يصادق نفسه ويخالطها، ويسألها عما تحبه وتُؤْثِرُه، فإذا عرفه استعان بها على العبد، ودخل عليه من هذا الباب.
وكذلك علَّم إخوانه وأولياءه من الإنس إذا أرادوا أغراضهم الفاسدة من بعضهم بعضًا؛ أن يدخلوا عليهم من الباب الذي يحبونه ويهوَونه، فإنه باب لا يُخْذَلُ عن حاجته من دخل منه، ومن رام الدخول من غيره فالباب عليه مسدودٌ، وهو عن طريق مقصده مصدود.
فشامّ عدوُّ الله الأبوين، فأحسّ منهما إيناسًا وركونًا إلى الخلد في تلك الدار في النعيم المقيم، فعلم أنه لا يدخل عليهما من غير هذا الباب، فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
(١) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٥) عن صفية.
وكان [٣٤ أ] عبد الله بن عباس يقرؤها «مَلِكَيْنِ» بكسر اللام١، ويقول: «لم يطمعا أن يكونا من الملائكة، ولكن استشرفا أن يكونا ملِكين، فأتاهما من جهة المُلْك»٢.
ويدل على هذه القراءة قوله في الآية الأُخرى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾.
وأما على القراءة المشهورة فيقال: كيف أطمع عدوُّ الله آدم أن يكون بأكله من الشجرة من الملائكة، وهو يرى الملائكة لا تأكل ولا تشرب، وكان آدم أعلم بالله وبنفسه وبالملائكة من أن يطمع أن يكون منهم بأكله، ولاسيّما مما نهاه الله عنه؟
فالجواب: أن آدم وحواء لم يطمعا في ذلك أصلًا، وإنما كذبهما عدو الله، وغرّهما، وخدعهما؛ بأن سمّى تلك الشجرة شجرة الخلد، فهذا أول المكر والكيد، ومنه وَرِثَ أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحبُّ النفوسُ مسمَّياتها، فسمَّوا الخمر أمَّ الأفراح، وسمَّوا أخاها بلُقَيْمة الراحة، وسمَّوا الربا بالمعاملة، وسمَّوا المُكُوسَ بالحقوق السلطانية، وسمَّوا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان، وسمَّوا أبلغ الكفر ــ وهو جحد صفات الرب ــ تنزيهًا، وسمَّوا مجالس الفسوق مجالس الطَّيبة! فلما سمَّاها شجرة الخلد قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا كراهة أن تأكلا منها فتخلدا في
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٣٤٨) من طريق عيسى الأعمى عن السدّي عنه.
(٢) نقله الواحدي عن ابن عباس، انظر: تفسير الرازي (١٤/ ٤٠)، وتفسير القرطبي (٧/ ١٧٩).