إغاثة اللهفان

الجنة ولا تموتا؛ فتكونان مثل الملائكة الذين لا يموتون. ولم يكن آدم قد علم أنه يموت بعد، واشتهى الخلود في الجنة، وحصلت الشُّبهة من قول العدو وإقسامه بالله جهد أيمانه أنه ناصح لهما، فاجتمعت الشبهة والشهوة، وساعد القدر لما قد فرغ الله سبحانه مِن تقديره، فأخذتهما سِنةُ الغَفْلة، واستيقظ لهما العدو، كما قيل:

وَاسْتَيْقَظُوا وَأَرَادَ اللهُ غَفْلَتَهُمْلِيَنْفُذَ القَدَرُ المَحْتُومُ فِي الأزَلِ١

إلا أن هذا الجواب يَعترض عليه قولُهُ: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.

فيقال: الماكر المخادع لابد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدوِّ الله، والاعتذار عنه، وإنما نعتذر عن الأب في كون ذلك رَاجَ عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا مَلَكين، وإنما ردّد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه في الأمر الممكن جزم له به ولم يُردِّده، فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فلم يُدْخِل أداة الشك هاهنا كما أدخلها في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾، فتأمله.

ثم قال تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، فتضمن هذا الخبر أنواعًا من التأكيد:

أحدهما: تأكيده بالقسم.

  1. (١) البيت ضمن قصيدة لعبيد الله بن أسعد الموصلي في الروضتين (١:١/ ٣٢٠).
198

الثاني: تأكيده بـ (إنّ).

الثالث: تقديم المعمول على العامل إيذانًا بالاختصاص، أي: نصيحتي مختصة بكما، وفائدتها إليكما لا إليّ.

الرابع: إتيانه١ باسم الفاعل الدّال على الثبوت واللزوم، دون الفعل الدال على التجدد، أي: النصح صفتي وسجيَّتي، ليس أمرًا عارضًا لي.

الخامس: إتيانه٢ بلام التأكيد في جواب القسم.

السادس: أنه صوّر نفسه لهما ناصحًا من جملة الناصحين، وكأنّه قال لهما: الناصحون لكما في ذلك كثير، وأنا واحد منهم، كما تقول لمن تأمره بشيء: كلُّ أحد معي على هذا، وأنا من جملة من يشير عليك به.

سَعَى نَحْوَها حَتَّى تجَاوَزَ حَدَّهُوَكَثَّرَ فَارْتَابَتْ وَلَوْ شَاءَ قَلَّلَا٣

وورّث عدوُّ الله هذا المكرَ لأوليائه وحزبه عند خداعهم للمؤمنين، كما كان المنافقون [٣٤ ب] يقولون لرسول الله ﷺ إذا جاءوه: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، فأكدوا خبرهم بالشهادة وبـ (إنَّ) وبلام التأكيد، وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦].

ثم قال تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].

  1. (١) م، ش: «إثباته».
  2. (٢) م، ش: «إثباته» مثل السابق.
  3. (٣) البيت لمهيار الديلمي في ديوانه (٣/ ١٩٤)، والمثل السائر (٣/ ١٣٠). والشطر الأول ساقط من بعض النسخ. وفي الأصل: «لكن تجاوز حدّها».
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي