إغاثة اللهفان

فالمؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم.

وفى «الصحيح»١: «أن عيسى ابن مريم رأى رجلًا يسرق، فقال: سرقتَ؟ فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو! فقال المسيح: آمنتُ بالله وكذّبتُ بصري».

وقد تأوَّله بعضهم على أنه لما حلف له جَوّز أن يكون قد أخذ ماله، فظنه المسيح سرقه.

وهذا تكلُّف، وإنما كان الله سبحانه في قلب المسيح أجلّ وأعظم من أن يحلف به أحد كاذبًا، فلما حلف له السارق دار الأمر بين تهمته وتهمة بصره، فردّ التهمة إلى بصره لمّا اجتهد له في اليمين بالله، كما ظنَّ آدم صدقَ إبليس لما حلف له بالله، وقال: ما ظننت أحدًا يحلف بالله كاذبًا.

فصل

ومن كيده العجيب: أنه يُشامُّ النفس، حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها: قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الانكفاف والإحجام والمهانة؟

فإنْ رأى الغالبَ على النفس المهانةَ والإحجام؛ أخذ في تثبيطه وإضعاف همته وإرادته عن المأمور به، وثقّله عليه، وهوّن عليه تركه، حتى يتركه جملة، أو يُقصِّر فيه ويتهاون يه.

وإن رأى الغالبَ عليه قوةَ الإقدام وعلوّ الهمة؛ أخذ يُقلّل [٣٥ أ] عنده المأمور به، ويُوهِمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة.

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨) من حديث أبي هريرة.
202

فيقصِّر بالأول ويتجاوز بالثاني، كما قال بعض السلف: «ما أمر الله سبحانه بأمر إلا وللشّيطان فيه نزعتان: إما إلى تفريط وتقصير، وإما إلى مجاوزة وغلو، ولا يبالي بأيهما ظفر»١.

وقد اقتطع أكثرُ الناس إلا أقلَّ القليل في هذين الواديين: وادي التقصير، ووادي المجاوزة والتعدي، والقليل منهم جدًّا الثابتُ على الصراط الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه.

فقوم قصّر بهم عن الإتيان بواجبات الطهارة، وقوم تجاوز بهم إلى مجاوزة الحدّ بالوسواس.

وقوم قصّر بهم عن إخراج الواجب من المال، وقوم تجاوز بهم حتى أخرجوا جميع ما في أيديهم، وقعدوا كَلًّا على الناس، مستشرفين إلى ما بأيديهم.

وقوم قصّر بهم عن تناول ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب واللباس، حتى أضرُّوا بأبدانهم وقلوبهم، وقوم تجاوز بهم حتى أخذوا فوق الحاجة، فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.

وكذلك قصّر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.

وقصّر بقوم في خُلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات، كالجمعة والجماعات والجهاد وتعلُّم العلم، وتجاوز بقوم حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.

  1. (١) رواه الخطابي في العزلة (ص ٩٧) عن إبراهيم بن عبد الرحمن العنبري عن ابن أبي قماش عن ابن عائشة قوله.
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي