إغاثة اللهفان

وقصّر بقوم حتى امتنعوا من ذبح عصفورٍ أو شاةٍ ليأكله، وتجاوز بآخرين حتى جرّأهم على الدماء المعصومة.

وكذلك قصّر بقوم حتى منعهم من الاشتغال بالعلم الذي ينفعهم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم، دون العمل به.

وقصّر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم، وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.

وقصّر بقوم حتى زيّن لهم ترك سنة رسول الله ﷺ من النكاح، فرغبوا عنه بالكُلِّيّة، وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا ما وصلوا إليه من الحرام.

وقصّر بقوم حتى جَفَوا الشيوخَ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم، ولم يقوموا بحقهم، وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله.

وكذلك قصّر بقوم حتى منعهم قبولَ أقوالِ أهل العلم والالتفات إليها بالكلية، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حلّلوه والحرام ما حرّموه، وقدموا أقوالهم على سنة رسول الله ﷺ الصحيحة الصريحة.

وقصّر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يقدر على أفعال عباده ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونها بدون مشيئته وقدرته، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: إنهم لا يفعلون شيئًا البتة، وإنما الله سبحانه هو فاعل تلك الأفعال حقيقة، فهي نفس فعله لا أفعالهم، والعبيد ليس لهم قدرة ولا فعلٌ البتةَ.

وقصّر بقوم حتى قالوا: إن رب العالمين ليس داخلًا في خلقه ولا بائنًا عنهم، ولا هو فوقهم ولا تحتهم، ولا خلفهم ولا أمامهم، ولا عن أيمانهم ولا عن شمائلهم، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: هو في كل مكان بذاته، كالهواء الذي هو داخل في كل مكان.

204

وقصّر بقوم حتى قالوا: لم يتكلم الرب سبحانه بكلمة واحدة البتة، وتجاوز بآخرين حتى قالوا: لم يزل أزلًا وأبدًا يقول: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ويقول لموسى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [النازعات: ١٧]؛ فلا يزال هذا الخطاب قائمًا به ومسموعًا منه، كقيام صفة الحياة به.

وقصّر بقوم حتى قالوا: إن الله سبحانه لا يُشَفِّع أحدًا في أحد البتة، ولا يرحم أحدًا بشفاعة أحدٍ، وتجاوز بآخرين حتى زعموا أن المخلوق يشفع عنده [٣٥ ب] بغير إذنه، كما يشفع ذو الجاه عند الملوك ونحوهم.

وقصّر بقوم حتى قالوا: إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل، فضلًا عن أبى بكر وعمر، وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا من الإسلام بالكبيرة الواحدة.

وقصّر بقوم حتى نَفَوا حقائق أسماء الرب تعالى وصفاته وعطّلوه منها، وتجاوز بآخرين حتى شبَّهوه بخلقه ومَثّلوه بهم.

وقصّر بقوم حتى عادَوا أهل بيت رسول الله ﷺ، وقاتلوهم، واستحلُّوا من حرمتهم، وتجاوز بقوم حتى ادَّعَوا فيهم خصائص النبوة من العصمة وغيرها، وربما ادعوا فيهم الإلهية.

كذا قصّر باليهود في المسيح حتى كذَّبوه، ورمَوه وأمَّه بما برأهما الله منه، وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلهًا يُعبَد مع الله.

وقصّر بقوم حتى نَفَوا الأسباب والقُوى والطبائع والغرائز، وتجاوز بآخرين حتى جعلوها أمرًا لازمًا لا يمكن تغييره ولا تبديله، وربما جعلها بعضهم مستقلة بالتأثير.

205

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي