وقصّر بقوم حتى تعبَّدوا بالنجاسات، وهم النصارى وأشباهُهم، وتجاوز بقوم حتى أفضى بهم الوسواس إلى الآصار والأغلال، وهم أشباه اليهود.
وقصّر بقوم حتى تزيّنوا للناس وأظهروا لهم من الأعمال والعبادات ما يحمدونهم عليه، وتجاوز بقوم حتى أظهروا لهم من القبائح ومن الأعمال السيئة ما يُسقطون به جاهَهم عندهم، وسَمَّوْا أنفسهم الملامتية.
وقصّر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب ولم يلتفتوا إليها، وعدُّوها فضلًا أو فضولًا، وتجاوز بآخرين حتى قَصَرُوا نظرهم وعملهم١ عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح، وقالوا: العارف لا يُسْقِطُ وَارِدَهُ لوِرْدِهِ.
وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا، لو تتبعناه لبلغ مبلغًا كثيرًا، وإنما أشرنا إليه أدنى إشارة.
فصل
ومن جملة مكايده: الكلام الباطل، والآراء المتهافتة، والخيالات المتناقضة، التي هي زبالة الأذهان، ونُحاتة الأفكار، والزَّبَدُ الذي تقذف به القلوب المظلمة المتحيرة، التي تَعدِل الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، قد تقاذفت بها أمواج الشبهات، ورانَتْ عليها غيومُ الخيالات، فمركبها القِيل والقال، والشك والتشكيك وكثرة الجدال، ليس لها حاصل من اليقين يُعوَّل عليه، ولا معتقد مطابق للحق يُرجع إليه؛ ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام: ١١٢]، فقد اتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا، وقالوا من عند أنفسهم فقالوا مُنكرًا من القول وزورًا.
(١) م: «علمهم».
فهم في شكّهِم يَعْمَهُون، وفى حَيْرتهِم يتردَّدون، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتبعوا ما تَلَتْه١ الشياطين على ألسنة أسلافهم من أهل الضلال، فهم إليه يتحاكمون، وبه يتخاصمون، فارقوا الدليل، واتبعوا ﴿أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾[المائدة: ٧٧].
فصل
ومن كيده بهم وتحيُّله على إخراجهم من العلم والدين: أن ألقى على ألسنتهم أن كلام الله ورسوله ظواهر لفظية لا تفيد اليقين، وأوحى إليهم أن القواطع العقلية والبراهين اليقينية في المناهج الفلسفية والطرق الكلامية، فحال بينهم وبين اقتباس الهدى واليقين من مِشْكاة القرآن، وأحالهم على منطق اليونان، وعلى ما عندهم من الدعاوى الكاذبة العَرِيَّة عن البرهان، وقال لهم: تلك علوم قديمة صَقَلتها العقول والأذهان، ومَرّتْ عليها القرون والأزمان. فانظر كيف تلطَّف بكيده ومكره حتى أخرجهم من الإيمان والدين، كإخراج الشعرة من العجين!
[٣٦ أ] فصل
ومن كيده: ما ألقاه إلى جُهَّال المتصوفة من الشَّطح والطامَّات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والتُّرَّهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العِيان، وأغناهم عن التقيُّد بالسنة والقرآن.