قال بعض الحفّاظ: «وكان يشتري حاجته ويحملها بنفسه»، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي وغيره.
وكان أبو بكر يخرج إلى السوق يحمل الثياب، فيبيع ويشتري١.
ومرَّ عبد الله بن سلام وعلى رأسه حُزْمة حطب، فقيل له: ما يحملك على هذا وقد أغناك الله؟ فقال: أردت أن أدفع به الكِبْرَ، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة عبد في قلبه مثقال ذرة من كِبرٍ»٢.
وكان أبو هريرة يحمل الحطب وغيره من حوائجه بنفسه وهو أمير على المدينة، ويقول: «افسحوا لأميركم، افسحوا لأميركم»٣.
وخرج عمر بن الخطاب يومًا وهو خليفة في حاجة له ماشيًا، فأعيا، فرأى غلامًا على حمار له، فقال: يا غلام! احملني فقد أعييتُ، فنزل الغلام عن الدابة، وقال: اركب يا أمير المؤمنين! فقال: لا، اركب أنت وأنا خلفك،
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وروى البيهقي في الكبرى (٦/ ٣٥٣) عن الحسن أن أبا بكر الصديق ﵁ غدا إلى السوق، فقال له عمر ﵁: أين تريد؟ قال: السوق، قال: قد جاءك ما يشغلك عن السوق، قال: سبحان الله! يشغلني عن عيالي؟! وهذا إسناد منقطع.
(٢) رواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص ١٨٢)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٣٢٢٦)، والطبراني في الكبير (١٣/ ١٤٧)، والبيهقي في الشعب (٦/ ٢٩١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٩/ ١٣٢، ١٣٣)، والضياء في المختارة (٩/ ٤٥٢، ٤٥٤)، وصححه الحاكم (٥٧٥٧)، والبوصيري في إتحاف الخيرة (٧٩٩٣)، وحسنه المنذري في الترغيب (٣/ ٣٥٥)، والهيثمي في المجمع (١/ ٢٨٤)، والألباني في صحيح الترغيب (٢٩١٠).
(٣) انظر: إحياء علوم الدين (٢/ ٢٤١).
فركب خلف الغلام، حتى دخل المدينة والناس يرونه١.
فصل
ومن كيده: أنه يُغرِي الناس بتقبيل يده، والتمسُّح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، ونحو ذلك، حتى يرى نفسه، ويعجبه شأنُها، فلو قيل له: إنك من أوتاد الأرض، وبك يُدفَع البلاءُ عن٢ الخلق ظن ذلك حقًّا، وربما قيل له: إنه يُتوَسَّل به إلى الله، ويُسأل الله به وبحرمته، فيقضي حاجتهم، فيقع ذلك في قلبه، ويفرح به، ويظنه حقًّا.
وذلك كلُّ الهلاك، فإذا رأى من أحد من الناس تجافيًا عنه، أو قلة خضوع له، تذمّر لذلك ووجد في باطنه، وهذا شرٌّ من أرباب الكبائر المصرِّين عليها، وهم أقرب إلى السلامة منه.
فصل
ومن كيده: أنه يُحسِّن إلى أرباب التخلّي والزهد والرياضة العملَ بهاجِسهم وواقعهم، دون تحكيم أمر الشارع، ويقولون: القلب إذا كان محفوظًا مع الله كانت هواجسه وخواطره معصومة من الخطأ!
وهذا من أبلغ كيد العدو فيهم، فإن الخواطر والهواجس ثلاثة أنواع: رحمانية، وشيطانية، ونفسانية، كالرؤيا، فلو بلغ العبد من الزهد والعبادة ما
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا (٢٨٨)، والدينوري في المجالسة (١٤٠١) من طريق الحسن عن عمر، وهذا إسناد منقطع، ومن طريق الدينوري رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٤/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٢) من هنا إلى قوله: «لا يقتدى به» (ص ٢٣٨) ساقطة من م.