إغاثة اللهفان

وقال الجريري: «أمرنا هذا كله مجموع على فَصْل واحد: أن تُلزم قلبك المراقبة، ويكون العلم على ظاهرك قائمًا»١.

وقال أبو حفص الكبير الشأن: «من لم يَزِنْ أفعاله وأحواله بالكتاب والسنة، ولم يَتّهم خواطره؛ فلا تَعُدّوه في ديوان الرجال»٢.

وما أحسنَ ما قال أبو أحمد الشيرازي: «كان الصوفية يَسْخَرون من الشيطان، والآن الشيطان يسخر منهم»٣.

ونظير هذا ما قاله بعض أهل العلم: «كان الشيطان فيما مضى ينهب من الناس، واليوم الرجل الذي ينهب من الشيطان».

فصل

ومن كيده: أمرُهم بلزوم زيٍّ واحد، ولِبْسَة واحدة، وهيئة ومِشْية معيّنة، وشيخ معينٍ، وطريقة مخترعة، ويفرض عليهم لزوم ذلك؛ بحيث يلزمونه كلزوم الفرائض، فلا يخرجون عنه، ويقدحون فيمن خرج عنه ويذمُّونه، وربما يلزم أحدهم موضعًا مُعَيَّنًا للصلاة لا يصلي إلا فيه، وقد نهى رسول الله ﷺ: أن يُوطِّنَ الرجل المكانَ للصلاة كما يوطّن البعير٤.

  1. (١) رواه القشيري في الرسالة القشيرية (ص ٢٢٦).
  2. (٢) رواه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٣٠)، والقشيري في الرسالة القشيرية (ص ٤٥).
  3. (٣) رواه القشيري في الرسالة القشيرية (ص ٨٢)، ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٢/ ٤٠٩)، وكنيته عندهما أبو عبد الله، وهو محمد بن خفيف الشيرازي. وفي م: «أحمد الشيرازي».
  4. (٤) رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٢)، وأحمد (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤)، والدارمي (١٣٢٣)، وأبو داود (٨٦٢)، والنسائي (١١١٢)، وابن ماجه (١٤٢٩)، وغيرهم من طريق تميم بن محمود عن عبد الرحمن بن شبل ﵁، وصححه ابن خزيمة (٦٦٢، ١٣١٩)، وابن حبان (٢٢٧٧)، والحاكم (٨٣٣)، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٦٤٧): «في إسناده اختلاف كثير، تميم بن محمود قال البخاري: في حديثه نظر»، وله شاهد من حديث عبد الحميد بن سلمة عن أبيه، به حسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة (١١٦٨).
217

وكذلك ترى أحدَهم لا يصلي إلا على سجادة، ولم يُصلّ رسول الله ﷺ على سجادة قط، ولا كانت السجادة تُفرش بين يديه، بل كان يصلي على الأرض، وربما سجد في الطين، وكان يصلي على الحصير، فيصلي على ما اتفق بَسْطُهُ، فإن لم يكن ثمة شيء صلى على الأرض.

وهؤلاء اشتغلوا بحفظ الرسوم عن الشريعة والحقيقة، فصاروا واقفين مع الرسوم المبتدعة، ليسوا مع أهل الفقه، ولا مع أهل الحقائق، فصاحب الحقيقة أشد شيء عليه التقيُّدُ بالرسوم الوضعية، وهي من أعظم الحُجُب بين قلبه وبين الله، فمتى تقيَّد بها حبس بها قلبه عن سيره، وكان أحسن أحواله الوقوف معها، ولا وقوف في السير، بل إما تقدُّمٌ وإما تأخُّرٌ، كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]، فلا وقوف في الطريق؛ إنما هو ذهاب وتقدم، أو رجوع وتأخر.

ومن تأمّل هدي رسول الله ﷺ وسيرته وجده مناقضًا لهدي هؤلاء؛ فإنه كان يلبس القميص تارة، والقَباء تارة، والجُبَّة تارة، والإزار والرداء تارة، ويركب البعير وحده، ومُرْدفًا لغيره، ويركب الفرس مُسْرَجًا وعُرْيانًا، ويركب الحمار، ويأكل ما حضر، ويجلس على الأرض تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى البساط تارة، ويمشي وحده تارة، ومع أصحابه تارة. وهَدْيه عدمُ التكلّفِ وعدمُ التقيد بغير ما أمره به ربه، فبين هديه وهدي هؤلاء بَوْن بعيد.

218

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي