إغاثة اللهفان

ومذهبه أيضًا: إذا قال: إذا جاء رأس الحَوْل فأنت طالق ثلاثًا: أنها تُطلَّق في الحال.

وهذا كله احتياط.

وقال الفقهاء: من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله.

وقالوا: إذا كان معه ثياب طاهرة وتنجّس منها ثياب، وشكَّ فيها، صلى في ثوب بعد ثوب بعدد النجس، وزاد صلاة ليتيقَّن براءة ذمته.

وقالوا: إذا اشتبهت الأواني الطاهرة بالنجسة أراق الجميع وتيمم.

وكذلك إذا اشتبهت عليه القبلة، فلا يدري في أي جهة، فإنه يصلي أربع صلوات عند بعض الأئمة؛ لتبرأ ذمته بيقين.

وقالوا: من ترك صلاة من يوم ثم نسيها وجب عليه أن يصلي خمس صلوات.

وقد أمر النبي ﷺ من شك في صلاته أن يبني على اليقين١.

وحرَّم أكل الصيد إذا شك صاحبه: هل مات بسهمه أو بغيره٢، كما إذا وقع في الماء.

وحرَّم أكله إذا خالط كلبه كلبًا آخر؛ للشك في تسمية صاحبه عليه.

وهذا باب يطول تتبُّعه. فالاحتياط والأخذ باليقين غير مُستنكر في الشرع، وإن سمَّيتموه وسواسًا.

  1. (١) أخرجه مسلم (٥٧١) عن أبي سعيد الخدري.
  2. (٢) كما في حديث عدي بن حاتم الذي أخرجه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩).
225

وقد كان عبد الله بن عمر يغسل داخل عينيه في الطهارة حتى عمي١.

وكان أبو هريرة إذا توضأ أشرع في العَضُد، وإذا غسل رجليه أشرع في الساقين٢.

فنحن إذا احتطنا لأنفسنا وأخذنا باليقين، وتركنا ما يَريب إلى ما لا يريب، وتركنا المشكوك٣ فيه للمتيقَّن المعلوم، وتجنبنا محلّ الاشتباه، لم نكن بذلك عن الشريعة خارجين، ولا في البدعة والجِينَ، وهل هذا إلا خير من التسهيل والاسترسال؟ حتى لا يبالي العبد بدينه، ولا يحتاط له، بل يُسهِّل الأشياء ويُمَشّي حالها، ولا يبالي كيف توضأ؟ ولا بأيّ ماءٍ توضأ؟ ولا بأيّ مكان صلى؟ ولا يبالي ما أصاب ذيله وثوبه، ولا يسأل عما عهد، بل يتغافل، ويحسّن ظنه، فهو مهمل لدينه لا يبالي ما شك فيه؛ ويحمل الأمور على الطهارة، وربما كانت أفحش النجاسة، ويدخل بالشك ويخرج بالشك، فأين هذا ممن استقصى في فعل ما أُمر به، واجتهد فيه، حتى لا يُخِلّ بشيء منه، وإن زاد على المأمور فإنما قصده بالزيادة تكميل المأمور، وأن لا ينقص منه شيئًا!

  1. (١) روى مالك (١٠٠) عن نافع أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ونضَح في عينيه ... ورواه عبد الرزاق (١/ ٢٥٩) ومسدد - كما في المطالب العالية (١٦٦) - والبيهقي في الكبرى (١/ ١٧٧، ٢٠١) من طرق عن نافع عن ابن عمر قال: كان إذا اغتسل من الجنابة نضَح الماء في عينيه، وصححه ابن حجر، وليس عند أحدٍ منهم أنه عمي بسبب ذلك.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٤٦) عنه.
  3. (٣) م: «السلوك» تحريف.
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي