وبالقَدر: كفعل أهل الوسواس، فإنهم شددوا على أنفسهم؛ فشدد عليهم القَدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفة لازمة لهم.
قال البخاري١: «وكره أهل العلم الإسراف فيه، يعني الوضوء [٣٩ ب]، وأن يجاوزوا فعل النبي ﷺ».
وقال ابن عمر: «إسباغ الوضوء: الإنقاء»٢.
فالفقه كلُّ الفقه: الاقتصاد في الدين، والاعتصام بالسّنّة.
قال أُبَيّ بن كَعْب: «عليكم بالسبيل والسنة؛ فإنه ما من عبد على السبيل والسنة، ذكر الله فاقشعرَّ جلدُه من خشية الله؛ إلا تحاتَّتْ عنه خطاياه كما يَتحاتُّ عن الشجرة اليابسة وَرَقُها، وإنَّ اقتصادًا في سبيلٍ وسنةٍ خيرٌ من اجتهادٍ في خلاف سبيل وسنة، فاحرصوا إذا كانت أعمالكم اقتصادًا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم»٣.
(١) صحيحه مع الفتح (١/ ٢٣٢).
(٢) علقه البخاري عنه بصيغة الجزم في كتاب الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، قال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٤٠) والعيني في العمدة (٢/ ٢٥٨): «وصله عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح».
(٣) رواه ابن المبارك في الزهد (٨٧) عن الربيع بن أنس عن أبي داود عن أبيّ، وعن ابن المبارك رواه كلّ من ابن أبي شيبة (٧/ ٢٢٤)، وأبي داود في الزهد (١٨٩)، وعبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد (ص ١٩٦ - ١٩٧)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٥٩)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠)، وأبي نعيم في الحلية (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣)، ووقع عند عبد الله: عن أبي قتادة عن أبيّ، وعند أبي نعيم: عن أبي العالية عن أبيّ، وهو كذلك عند ابن الجوزي في تلبيس إبليس (ص ١٠) حيث رواه من طريق أبي نعيم.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي في كتابه «ذم الوسواس»١:
الحمد لله الذي هدانا بنعمته، وشرَّفنا بمحمد ﷺ وبرسالته، ووفَّقنا للاقتداء به والتمسك بسنّته، ومَنّ علينا باتِّباعه الذي جعله عَلَمًا على محبته ومغفرته، وسببًا لكتابة رحمته وحصول هدايته، فقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾، ثم قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[الأعراف: ١٥٨].
أما بعد، فإن الله سبحانه جعل الشيطان عدوًّا للإنسان، يقعد له الصراط المستقيم، ويأتيه من كل جهة وسبيل، كما أخبر الله تعالى عنه أنه قال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ١٦ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[الأعراف: ١٦، ١٧]، وحذَّرنا الله تعالى من متابعته، وأمرنا بمعاداته ومخالفته، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾[فاطر: ٦]، وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾[الأعراف: ٢٧]، وأخبرنا بما صنع بأبوينا تحذيرًا لنا من طاعته، وقطعًا للعذر في متابعته، وأمرنا الله باتباع صراطه المستقيم، ونهانا عن اتباع السُّبل، فقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا
(١) طبع بمصر سنة ١٣٤٣، ثم نشره عبد الله الطريقي سنة ١٤١١، ولم يعرف أن ابن القيم نقل هنا معظمه مع التعليق عليه وزيادات كثيرة، إلى صفحة ٢٩٩.