إغاثة اللهفان

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].

وسبيل الله وصراطه المستقيم: هو الذي كان عليه رسول الله ﷺ وصحابته، بدليل قوله ﷿: ﴿يس ١ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ٢ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٣ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]، وقال: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧]، وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].

فمن اتَّبع رسول الله ﷺ في قوله وفعله فهو على صراط الله المستقيم، وهو ممن يحبه الله ويغفر له ذنوبه، ومن خالفه في قوله أو فعله فهو مبتدع، متبع لسبيل الشيطان، غير داخل فيمن وعد الله بالمحبة والمغفرة والإحسان.

فصل

ثم إن طائفة الموسوسين قد تحقق منهم طاعة الشيطان، حتى اتصفوا بوسوسته، وقبِلوا قوله وأطاعوه، ورغبوا عن اتباع رسول الله ﷺ وصحابته، حتى إن أحدهم ليرى أنه إذا توضأ وضوء رسول الله ﷺ، أو صلى كصلاته، فوضوؤه باطل، وصلاته غير صحيحة، ويرى أنه إذا فعل مثل فعل رسول الله ﷺ في مؤاكلة الصبيان، وأكل طعام عامة المسلمين: أنه قد صار نجسًا، يجب عليه تسبيع يده وفيه، كما لو ولَغ فيهما كلب، أو بال عليهما هِرّ.

ثم إنه بلغ من استيلاء إبليس عليهم أنهم أجابوه إلى ما يشبه الجنون، ويقارب مذهب السوفسطائية [٤٠ أ] الذين ينكرون حقائق الموجودات، والأمور المحسوسات، وعلم الإنسان بحال نفسه من الأمور الضروريات اليقينيات، وهؤلاء يغسل أحدهم عضوه غَسْلًا يشاهده ببصره، ويكبِّر١

  1. (١) الأصل: «ويكثره». والمثبت من كتاب ابن قدامة.
232

ويقرأ بلسانه، بحيث تسمعه أذناه ويعلمه بقلبه، بل يعلمه غيره منه ويتيقنه، ثم يشك هل فعل ذلك أم لا؟ وكذلك يشككه الشيطان في نيته وقصده التي يعلمها من نفسه يقينًا، بل يعلمها غيره منه بقرائن أحواله، ومع هذا يقبل قول إبليس في أنه ما نوى الصلاة ولا أرادها؛ مكابرةً منه لعِيانه، وجحدًا ليقين نفسه، حتى تراه متلدِّدًا متحيرًا؛ كأنه يعالج شيئًا يجتذبه، أو يجد شيئًا في باطنه يستخرجه؛ كل ذلك مبالغة في طاعة إبليس، وقبول من وسوسته، ومن انتهت طاعته لإبليس إلى هذا الحد فقد بلغ النهاية في طاعته.

ثم إنه يقبل قوله في تعذيب نفسه، ويطيعه في الإضرار بجسده، تارة بالغوص في الماء البارد، وتارة بكثرة استعماله وإطالة العَرْك، وربما فتح عينيه في الماء البارد، وغسل داخلهما حتى يضر ببصره، وربما أفضى إلى كشف عورته للناس، وربما صار إلى حال يسخر منه الصبيان، ويستهزئ به من يراه.

قلت: ذكر أبو الفرج ابن الجوزي١ عن أبى الوفاء ابن عقيل أن رجلًا قال له: أَنغَمِسُ في الماء مرارًا كثيرة، وأشكّ هل صح الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقال له الشيخ: اذهب؛ فقد سقطت عنك الصلاة، قال: وكيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يُفِيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبيّ حتى يبلغ»٢، ومن ينغمس في الماء مرارًا ويشك

  1. (١) في «تلبيس إبليس» (ص ١٣٨).
  2. (٢) رواه ابن أبي شيبة (٤/ ١٩٤)، وابن راهويه (١٧١٣)، وأحمد (٦/ ١٠٠، ١٠١، ١٤٤)، والدارمي (٢٢٩٦)، وأبو داود (٤٤٠٠)، والنسائي (٣٤٣٢)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وأبو يعلى (٤٤٠٠)، وغيرهم عن عائشة ﵂، وصححه ابن الجارود (١٤٨، ٨٠٨)، وابن حبان (١٤٢)، والحاكم (٢٣٥٠)، وابن العربي في العارضة (٣/ ٣٩٢)، وابن دقيق العيد في الإلمام (١٣٢٤)، وابن كثير في إرشاد الفقيه (١/ ٨٩)، وحسنه النووي في المجموع (٦/ ٢٥٣)، وابن تيمية في شرح العمدة (٢/ ١١٨)، وابن القيم في أحكام أهل الذمة (٢/ ٩٠٢)، وقال السبكي في إبراز الحِكم (ص ٣): «حديث متصل حسن ورجاله كلّهم علماء»، وكذا قال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٢٢٦)، وهو مخرج في الإرواء (٢٩٧). وفي الباب عن عمر وعلي وابن عباس وأبي قتادة وشداد بن أوس وثوبان وأبي هريرة وعن الحسن مرسلًا.
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي