سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء».
فإذا قرنت هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾[الأعراف: ٥٥]، وعلمت أن الله يحب عبادته، أنتج لك من هذا أن وضوء الموسوس ليس بعبادة يقبلها الله، وإن أسقطت الفرض عنه؛ فلا تُفتح أبواب الجنة الثمانية لوضوئه يدخل من أيها شاء!
ومن مفاسد الوسواس: أنه يَشغلُ ذمته بالزائد على حاجته، إذا كان الماء مملوكًا لغيره كماء الحمَّام، فيخرج منه وهو مرتهن الذمة بما زاد على حاجته، ويتطاول عليه الدَّين، حتى يرتهن من ذلك بشيء كثير جدًا، يتضرّر به في البرزخ ويوم القيامة.
فصل
ومن ذلك: الوسواس في انتقاض الطهارة؛ لا يُلتفتُ إليه.
وفي «صحيح مسلم»١ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد؛ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».
[٤٢ ب] وفي «الصحيحين»٢ عن عبد الله بن زيد، قال: شُكي إلى
(١) برقم (٣٦٢).
(٢) البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١).
رسول الله ﷺ: الرجلُ يُخيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجدَ ريحًا».
وفي «المسند»، و«سنن أبي داود»١ عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الشيطان يأتي أحدَكم وهو في الصلاة، فيأخذ شعرة من دُبره، فيَمُدُّها، فيُرى أنه قد أحدث، فلا ينصرِفْ حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا».
ولفظ أبي داود٢: «إذا أتى الشيطان أحدكم فقال له: إنك قد أحدثت؛ فليقل له: كذبت؛ إلا ما وجد ريحًا بأنفه، أو سمع صوتًا بأذنه».
فأمر النبي ﷺ بتكذيب الشيطان فيما يحتمل صدقه فيه، فكيف إذا كان كذبه معلومًا متيقنًا، كقوله للموسوس: لم تفعل كذا، وقد فعله!
قال الشيخ أبو محمد٣: ويستحب للإنسان أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال؛ ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللًا قال: هذا من الماء
(١) مسند أحمد (٣/ ٩٦)، ورواه أيضا ابن أبي أسامة (٨٤ - بغية الباحث ـ)، وأبو يعلى (١٢٤٩)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٩)، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٥٢): «فيه علي بن زيد، واختلف في الاحتجاج به»، وحسن إسناده المناوي في التيسير (١/ ٢٨٩)، وانظر: السلسلة الصحيحة (٣٠٢٦). وفي الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وأنس والسائب بن خباب، وعن ابن مسعود موقوفًا.
(٢) سنن أبي داود (١٠٢٩)، ورواه أيضًا عبد الرزاق (١/ ١٤٠، ٢/ ٣٠٤)، وأحمد (٣/ ١٢، ٣٧، ٥٠، ٥١، ٥٣، ٥٤)، وأبو يعلى (١١٤١)، وصححه ابن خزيمة (٢٩)، وابن حبان (٢٦٦٦)، والحاكم (٤٦٤ - ٤٦٧، ١٢١٠)، وهو في ضعيف سنن أبي داود (١٨٨).