وقال حفص: «أقبلت مع عبد الله بن عمر عامدَينِ إلي المسجد، فلما انتهينا عدلتُ إلي المطهرة لأغسل قدمي من شيء أصابها، فقال عبد الله: لا تفعل؛ فإنك تطأ الموطأ الرديء، ثم تطأ بعده الموطئ الطيب ــ أو قال: النظيف ــ فيكون ذلك طهورًا، فدخلنا المسجد جميعًا فصلينا»١.
وقال أبو الشّعْثاء: «كان ابن عمر يمشي بمنًى في الفروث٢ والدماء اليابسة حافيًا، ثم يدخل المسجد فيصلي فيه، ولا يغسل قدميه»٣.
وقال عمران بن حُدير: «كنت أمشي مع أبي مِجْلز إلي الجمعة، وفي الطريق عَذِراتٌ يابسة، فجعل يتخطاهن ويقول: ما هذه إلا سَوْدات، ثم جاء حافيًا إلي المسجد؛ فصلى ولم يغسل قدميه»٤.
وقال عاصم الأحول: «أتينا أبا العالية، فدعونا بوضوء فقال: ما لكم؟ ألستم متوضئين؟ قلنا: بلى، ولكن هذه الأقذار التي مررنا بها، قال: هل وطئتم على شيء رطْبٍ تعلّق بأرجلكم؟ قلنا: لا. فقال: فكيف بأشد من هذه الأقذار؛ تجفّ فينسفها الريح في رؤوسكم ولحاكم؟»٥.
(١) لم أقف عليه.
(٢) في م: «الروث».
(٣) لم أقف على هذه الرواية، وروى عبد الرزاق (١/ ٣١) عن ابن التيمي عن أبيه عن بكر ابن عبد الله المزني قال: «رأيت ابن عمر بمنى يتوضأ ثم يخرج وهو حاف، فيطأ ما يطأ ثم يدخل المسجد فيصلي ولا يتوضأ»، ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن المنذر في الأوسط (٧٤١).
(٤) ذكره الخطابي في غريب الحديث (٣/ ١٠٩) وقال: يرويه حجاج بن منهال عن حماد بن سلمة عن عمران.
(٥) انظر نحوه في مصنف عبد الرزاق (١/ ٢٩).
فصل
ومن ذلك: أن الخُفّ والحذاء إذا أصابت النجاسة أسفلَه أجزأ دَلْكُه بالأرض مطلقًا، وجازت الصلاة فيه بالسنة الثابتة.
نصَّ عليه أحمد، واختاره المحققون من أصحابه.
قال أبو البركات: ورواية إجزاء الدّلك مطلقًا هي الصحيحة عندي؛ لما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له طهور»١، وفي لفظ: «إذا وطئ أحدكم الأذى بِخُفّيه فطهورهما التراب» رواهما أبو داود٢.
(١) سنن أبي داود (٣٨٥) من طريق أبي المغيرة والوليد بن مزيد وعمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي قال: أنبئتُ أن سعيدًا المقبري حدّث عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه أيضًا الحاكم (٥٩١) والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤٣٠) من طريق الوليد به، ورواه ابن المنذر في الأوسط (٧٣٤) وابن حبان (١٤٠٣) من طريق الوليد عن الأوزاعي عن سعيد المقبري به، من غير واسطة بينهما، ثم ترجم ابن حبان بما يفيد أن الأوزاعي سمع هذا الخبر من سعيد.
(٢) سنن أبي داود (٣٨٦) من طريق محمد بن كثير عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، ورواه من هذه الطريق البزار (٨٤٣٥)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٥٧)، وابن حبان (١٤٠٤)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤٣٠)، وصححه ابن خزيمة (٢٩٢)، والحاكم (٥٩٠) .. ورواه الطحاوي في معاني الآثار (٢٨٠) والبيهقي في المعرفة (١٢٨٠) من طريق محمد بن كثير عن الأوزاعي عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ورواه أبو داود (٣٨٧) من طريق يحيى بن حمزة عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن سعيد المقبري عن القعقاع بن حكيم عن عائشة بمعناه، ورواه أبو يعلى (٤٨٦٩) من طريق عبد الله بن سمعان عن سعيد المقبري عن القعقاع عن عائشة، ورواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٥٦ - ٢٥٧) والطبراني في الأوسط (٢٧٥٩) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٢٦) من طريق ابن سمعان عن المقبري عن القعقاع عن أبيه عن عائشة، ورواه غير المقبري عن القعقاع، وفي إسناد الحديث اختلاف كثير غير ما تقدّم انظره في علل الدارقطني (٨/ ١٥٩ - ١٦٠، ١٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، قال البزار: «هذا الحديث قد رواه غير الأوزاعي عن ابن عجلان عن المقبري عن رجل، فالحديث لا يثبت»، وأعله البيهقي في الخلافيات (١/ ١٢٦ - المختصر ـ)، وقال في المعرفة (٢/ ٢٥٣): «كأنّ الشافعي رغب عن هذه الروايات في الجديد لما فيها من الاختلاف»، وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٠٧): «هو حديث مضطرب الإسناد لا يثبت، اختُلف في إسناده على الأوزاعي وعلى سعيد بن أبي سعيد اختلافًا يُسقط الاحتجاجَ به»، وضعفه ابن العربي في العارضة (١/ ٢٠٤)، وابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٥/ ١٢٦)، والنووي في المجموع (١/ ٩٧، ٢/ ٥٩٩)، وابن حجر في التلخيص الحبير (٤٣٥)، وقال ابن تيمية كما في المجموع (٢٢/ ١٦٧): «تعدُّده مع عدَم التهمة وعدم الشذوذ يقتضي أنه حسن».