إغاثة اللهفان

السمحة».

فجمع بين كونها حنيفية وكونها سمحة، فهي حنيفية في التوحيد، سَمحة في العمل.

وضد الأمرين: الشرك وتحريم الحلال، وهما اللَّذانِ ذكرهما النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎ أنه قال: «إني خلقت عِبادي حُنفاء، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم [٤٦ أ] أنزل به سلطانًا»١.

فالشرك وتحريم الحلال قرينان. وهما اللذان عابهما الله في كتابه على المشركين في سورة الأنعام٢ والأعراف٣.

وقد ذم النبي ﷺ المتنطِّعين في الدِّين، وأخبر بهلكَتهم حيث يقول: «ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون، ألا هلك المتنطِّعون»٤.

وقال ابن أبي شيبة٥: حدثنا أبو أسامة، عن مِسْعر، قال: أخرج إليّ

  1. (١) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) عن عياض بن حمار المجاشعي.
  2. (٢) الآية ١٤٨.
  3. (٣) الآية ٣٣.
  4. (٤) أخرجه مسلم (٢٦٧٠) عن ابن مسعود.
  5. (٥) مسند ابن أبي شيبة (٤٢٨)، وعنه أبو يعلى (٥٠٢٢)، ورواه ابن راهويه في مسنده - كما في المطالب العالية (٣٢٦٥) - عن أبي أسامة به، ورواه الدارمي (١٣٨) عن محمد بن قدامة، والطبراني في الكبير (١٠/ ١٧٤) - بالمرفوع فقط - والهروي في ذم الكلام (٥٢٢) من طريق عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة به، قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٧٣١٧)، والهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٤٠): «رواته ثقات»، وهم من رجال الشيخين، لكن في سماع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه خلاف.
293

مَعْنُ بن عبد الرحمن كتابًا، وحلف بالله أنه خَطُّ أبيه، فإذا فيه: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما رأيت أحدًا كان أشد على المتنطعين من رسول الله ﷺ، ولا رأيت بعده أشدَّ خوفًا عليهم من أبي بكر، وإني لأظن عمر كان أشد أهل الأرض خوفًا عليهم.

وكان ﷺ يبغض المتعمِّقين، حتى إنه لمَّا واصل بهم ورأى الهلال قال: «لو تأخر الهلال لواصلتُ وِصالًا يدعُ المتعمّقون تعمقهم»؛ كالمنكِّل بهم١.

وكان الصحابة أقل الأمة تكلفًا، اقتداءً بنبيهم ﷺ، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦].

وقال عبد الله بن مسعود ﵁: «من كان منكم مُستنًّا؛ فليستنّ بمن قد مات؛ فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد، كانوا أفضل هذه الأمة: أبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ولإقامة دينه، فاعْرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم وسيرتهم؛ فإنهم كانوا على الهَدْي المستقيم»٢.

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٢٩٩)، ومسلم (١١٠٣) عن أبي هريرة.
  2. (٢) رواه ابن بطة - كما في منهاج السنة (٢/ ٣٩) - وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٩٢٦) والهروي في ذم الكلام (٧٤٦) من طريق قتادة عنه، وقتادة لم يدرك ابنَ مسعود. وروى أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٠٥، ٣٠٦) نحوَه عن ابن عمر. وروي عن الحسن البصري بعضُه أو قريب منه.
294

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي