إغاثة اللهفان

فصل

وأما مَن طلّق واحدة من نسائه ثم أُنسيها، أو طلق واحدة مبهمة ولم يُعيِّنها؛ فقد اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على أقوال:

فقال أبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وحماد: يختار أيتهن شاء، فيوقع١ عليها الطلاق في المبهمة، وأما في المنسيّة فيُمسك عنهن، وينفق عليهن، حتى ينكشف الأمر. فإن مات الزوج قبل أن يُقْرعَ:

فقال أبو حنيفة: يقسم بينهن كلهن ميراث امرأة.

وقال الشافعي: يوقف ميراث امرأة حتى يصطلحن.

وقالت المالكية: إذا طلق واحدة منهن غير معلومة عنده، بأن قال: أنت طالق، ولا يدري مَنْ هي؟ طلق الجميع، وإن طلق واحدة معلومة، ثم أُنْسِيَهَا، وقف عنهن حتى يتذكر، فإن طال ذلك ضُرب له مدة المُولِي، فإن تذكر فيها وإلا طَلُق عليه الجميع، ولو قال: إحداكن طالق، ولم يعينها بالنية؛ طلق الجميع.

وقال أحمد: يُقرع بينهن في الصورتين، نص على ذلك في رواية جماعة من أصحابه، وحكاه عن علي، وابن عباس.

وظاهر المذهب الذي عليه جُلُّ الأصحاب: أنه لا فرق بين المبهمة والمنسية.

وقال صاحب «المغنى»٢: يخرج المبهمة بالقرعة؛ وأما المنسية فإنه

  1. (١) في الأصل: «فوقع».
  2. (٢) المغني (١٠/ ٥١٩ وما بعدها).
306

يحرم عليه الجميع حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع، فإن مات أقرع بينهن للميراث.

قال: وقد روى إسماعيل بن سعيد، عن أحمد ما يدل على أن القرعة لا تستعمل في المنسية لمعرفة الحِلّ، وإنما تستعمل لمعرفة الميراث، فإنه قال: سألت أحمد عن الرجل يطلق امرأة من نسائه ولا يعلم أيتَهن طلَّق؟ قال: أكره أن أقول في الطلاق بالقرعة. قلت: أرأيت إن مات هذا؟ قال: أقول بالقرعة؛ وذلك لأنه تصير القرعة على المال.

قال: وجماعة من روى عنه القرعة في المطلقة المنسية؛ إنما هو في التوريث، وأما في الحل فلا ينبغي أن تثبت بالقرعة، قال: وهذا قول أكثر أهل العلم.

واحتج الشيخ لصحة قوله بأنه اشتبهت عليه زوجته بأجنبية، فلم تحلّ له إحداهما بالقرعة؛ كما لو اشتبهت عليه بأجنبية لم يكن له عليها عقد، ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة، فلا ترفع الطلاق عمن وقع عليها١، ولاحتمال كون المطلقة غير من خرجت عليها القرعة، ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال بالطلاق لما عاد بالذِّكْرِ، فيجب بقاء التحريم بعد القرعة كما كان قبلها.

قال: وقد قال الخِرَقي فيمن طلق امرأته؛ فلم يَدْرِ، أواحدةً طلق أم ثلاثًا؟ ومن حلف بالطلاق لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته، حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها.

  1. (١) الأصل: «عليه».
307

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي