إغاثة اللهفان

فحرّمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين١ التحريم، فهاهنا أولى.

قال: وهكذا الحكم في كل موضع وقع الطلاق على امرأة بعينها، ثم اشتبهت بغيرها، مثل أن يرى [٤٨ ب] امرأةً في رَوْزَنة، أو مُوَلِّيةً، فيقول: أنت طالق، ولا يعلم عينها من نسائه. وكذلك إذا وقع الطلاق على امرأة من نسائه في مسألة الطائر وشبهها؛ فإنه يحرم عليه جميع نسائه حتى تتبين المطلقة، ويؤخذ بنفقة الجميع؛ لأنهن محبوسات عليه، وإن أقرع بينهن لم تُفِدِ القرعة شيئًا.

ولا يحل لمن وقعت عليها القرعة التزويج؛ لأنها يجوز أن تكون غير المطلقة، ولا يحل للزوج غيرها لاحتمال أن تكون المطلقة.

وقال أصحابنا: إذا أقرع بينهن، فخرجت القرعة على إحداهن، ثبت حكم الطلاق فيها، فحل لها النكاح بعد قضاء عدتها، وحلّ للزوج مَنْ سواها، كما لو كان الطلاق في واحدة غير معينة.

وقال شيخنا: الصحيح استعمال القرعة في الصورتين.

قلت: وهو منصوص أحمد في رواية الجماعة.

وأما رواية الشالَنْجِي فإنه توقّف، وكره أن يقول في الطلاق بالقرعة، ولم يعين المنسية ولا المبهمة، وأكثر نصوصه على القرعة في الصورتين.

قال في رواية الميموني فيمن له أربع نسوة؛ طلّق واحدة منهن، ولم يَدْرِ: يقرع بينهن، وكذلك في الأعْبُد، فإن أقرع بينهن، فوقعت القرعة على

  1. (١) م: «نفس».
308

واحدة، ثم ذكر التي طلق؛ رجعت هذه التي وقعت عليها القرعة، ويقع الطلاق على التي ذكر، فإن تزوجت فذاك شيء قد مَرّ.

وكذلك نقل أبو الحارث عنه في رجل له أربع نسوة؛ طلق إحداهن، ولم يكن له نِيّة في واحدة بعينها: يقرع بينهن، فأيتهن أصابتها القرعة فهي المطلقة، وكذلك إن قصد إلى واحدة بعينها ونَسِيها.

فنصَّ على القرعة في الصورتين، مُسَوِّيًا بينهما.

والذي أفتى به علي هو في المنسية، وبه احتج أحمد.

قال وَكيع: سمعت عبد الله١، قال: سألت أبا جعفر عن رجل كان له أربع نسوة وطلق إحداهن، لا يدرى أيتهن طلق؟ قال علي: «يقرع بينهن»٢.

والأدلة الدالة على القرعة تتناول الصورتين، والمنسية قد صارت كالمجهولة شرعًا، فلا فرق بينها وبين المبهمة المجهولة، ولأن في الإيقاف والإمساك حتى يتذكر، وتحريم الجميع عليه، وإيجاب النفقة على الجميع: عدَّة مفاسد له وللزوجات، مندفعة شرعًا، ولأن القرعة أقرب إلى مقاصد الشرع ومصلحة الزوج والزوجات، مِنْ تركهنَّ معلقاتٍ، لا ذوات أزواج ولا أيامَى، وتركه هو معلقًا، لا ذا زوج ولا عَزَبًا.

  1. (١) في الأصل: «أبا عبد الله». والتصويب من النسخ الأخرى والمغني.
  2. (٢) قال ابن قدامة في المغني (١٠/ ٥٢٢): روى عبد الله بن حميد قال: سألت أبا جعفر عن رجل قدم من خراسان وله أربع نسوة، قدم البصرة فطلّق إحداهن ونكح ثمّ مات، لا يدري الشهود أيّتهنّ طلّق، فقال: قال علي ﵁: «أقرع بين الأربع، وأنذر منهنّ واحدة، وقسم بينهنّ الميراث»، وصحّحه ابن القيم في بدائع الفوائد (٣/ ٧٨٣).
309

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي