إغاثة اللهفان

نفس الأمر، ولكن ليست مطلقة في حكم الله، كما لو طلع الهلال في نفس الأمر، ولم يَرهُ أحد من الناس، أو كان تحت الغَيم؛ فإنه لا يترتب عليه حكم الشهر، ولا يكون طالعًا في حكم الله، وإن كان طالعًا في نفس الأمر. ونظائر هذا كثيرة جدًا.

فغاية الأمر أن هذه مطلَّقة في نفس الأمر، ولا علم له بطلاقها، فلا تكون مطلَّقة في الحكم، كما لو نسي طلاقها.

قوله: ولهذا لو ذكر أن المطلقة غيرها حرمت عليه، ولو ارتفع التحريم أو زال الطلاق لما عاد بالذِّكْرِ.

جوابه: أن القرعة إنما عملت في١ استمرار النسيان، فإذا زال النسيان بطل عمل القرعة، كما أن المتيمم إذا قدر على استعمال الماء بطل حكم تيممه؛ فإن التراب إنما يُعمَل عند العجز عن الماء، فإذا قدر عليه بطل حكمه، ونظائر ذلك كثيرة. منها: أن٢ الاجتهاد إنما يُعمل عند عدم النص فإذا تبين النص؛ فلا اجتهاد إلا في إبطال ما خالفه.

قوله: وقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يَدرِ واحدةً طلَّق أم ثلاثًا: يلزمه الثلاث، ومن حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة: لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها، فحرمها، مع أن الأصل بقاء النكاح، ولم يعارضه يقين التحريم، فهاهنا أولى.

  1. (١) م: «مع».
  2. (٢) «أن» ساقطة من م.
312

فيقال: الخرقي نَصَّ على المسألتين مفرِّقًا بينهما في «مختصره»، فقال: وإذا طلق واحدة من نسائه وأُنْسِيها أخرجت بالقرعة، وقال ما حكاه الشيخ عنه في الموضعين.

فأما من شك هل طلق واحدة أم ثلاثًا؟ فأكثر النصوص أنه إنما يلزمه واحدة، وهو ظاهر المذهب.

والخِرَقي اختار الرواية الأخرى، وهي مذهب مالك، وقد تقدم مأخذ القولين، وبيان الراجح منهما.

وعلى القول بلزوم الثلاث؛ فالفرق بين ذلك وبين [٤٩ ب] إخراج المنسيَّة بالقرعة: أن المجهول في الشرع كالمعدوم، فقد جهلنا وقوع الطلاق بأي الزوجتين، فلم يتحقق تحريم إحداهما، ولم يكن لنا سبيل إلى تحريمهما ولا إباحتهما، والوقف مفسدة ظاهرة؛ فتعينت القرعة، بخلاف من أوقع على زوجته طلاقًا وشك في عدده، فإنه قد شك: هل يرتفع ذلك الطلاق بالرجعة أولا يرتفع بها؟ فألزمه بالثلاث، فظهر الفرق بينهما على هذا القول، وأما على المشهور من المذهب فلا إشكال.

وأما من حلف بالطلاق: لا يأكل تمرة، فوقعت في تمر، فأكل منه واحدة؛ فقد قال الخرقي: إنه يُمنع من وطء زوجته حتى يتيقن، وهذا يحتمل الكراهة والتحريم.

ومذهب الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا يحنث، ولا يحرم عليه وطء زوجته، واختيار أبى الخطاب، وهو الصحيح.

وإن أراد به التحريم؛ فهو يشبه ما قاله هو ومالك فيمن طلَّق وشكَّ هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟

313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي