قال المُوقِعون عند الأجل: لا يجوز أن يؤخذ حكم الدوام من حكم الابتداء؛ فإن الشريعة فرّقت بينهما في مواضع كثيرة؛ فإن ابتداء عقد النكاح في الإحرام فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على المعتدة فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الأمة مع الطَّوْلِ وعدم خوف العَنَت فاسد دون دوامه، وابتداء عقده على الزانية فاسد ــ عند أحمد ومن وافقه ــ دون دوامه. ونظائر ذلك [٥٠ أ] كثيرة جدًا.
قالوا: والمعنى الذي حَرُمَ لأجله نكاح المتعة: كون العقد موقّتًا من أصله، وهذا العقد مطلق، وإنما عرض له ما يبطله ويقطعه، فلا يبطل، كما لو علّق الطلاق بشرط، وهو يعلم أنها تفعله أو يفعله هو ولا بد؛ ولكن يجوز تخلفه.
والقول الثالث: أنه إن كان الطلاق المعلق بمجيء الوقت المعلوم ثلاثًا وقع في الحال، وإن كان رجعيًا لم يقع قبل مجيئه.
وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، نص عليها١ في رواية مُهَنَّا: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا قبل موتي بشهر: هي طالقٌ الساعةَ، كان سعيد بن المسيب والزُّهري لا يوقِّتون في الطلاق، قال مهنا: فقلت له: أفتتزوج هذه التي قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهر؟ قال: لا؛ ولكن يمسك عن الوطء أبدًا حتى يموت، هذا لفظه.
وهو في غاية الإشكال، فإنه قد أوقع عليها الطلاق منجَّزًا، فكيف يمنعها من التزويج؟
(١) كذا في الأصل، وفي بقية النسخ: «عليه».
وقوله: «يمسك عن الوطء أبدًا» يدل على أنها زوجة؛ إلا أنه لا يطؤُها، وهذا لا يكون مع وقوع الطلاق؛ فإن الطلاق إذا وقع زالت أحكام الزوجية كلها.
فقد يقال: أخذ بالاحتياط فأوقع١ الطلاق، ومنعها من التزويج للخلاف في ذلك، فحرَّم وطأها وهو أثر الطلاق، ومنعها من التزويج؛ لأن النكاح لم ينقطع بإجماع ولا نص.
ووجه هذا: أنه إذا كان الطلاق ثلاثًا لم يحلَّ وطؤها بعد الأجل، فيصير حِلُّ الوطء موقّتًا، وإن كان رجعيًا جاز له وطؤها بعد الأجل، فلا يصير الحِلُّ موقّتًا، وهذا أفقه من القول الأول.
والقول الرابع: أنها لا تطلق إلا عند مجيء الأجل، وهو قول الجمهور، وإنما تنازعوا: هل هو مُطَلِّقٌ في الحال، ومجيء الوقت شرط لنفوذ الطلاق، كما لو وكّله في الحال، وقال: لا تتصرف إلى رأس الشهر، فمجيء رأس الشهر شرط لنفوذ تصرفه، لا لحصول الوكالة، بخلاف ما إذا قال: إذا جاء رأس الشهر فقد وكَّلتك، ولهذا يفرّق الشافعي بينهما، فيصحح الأولى، ويبطل الثانية.
أو يقال: ليس مطلِّقًا في الحال، وإنما هو مطلِّق عند مجيء الأجل، فيقدَّر حينئذٍ أنه قال: أنت طالق، فيكون حصول الشرط وتقدير حصول «أنت طالق» معًا.
فعلى التقدير الأول: السبب تقدم، وتأخر شرط تأثيره، وعلى التقدير