الثانى: نفس السبب تأخر تقديرًا إلى مجيء الوقت، وكأنه قال: إذا جاء رأس الشهر فحينئذٍ أنا قائل لك: أنت طالق، فإذا جاء رأس الشهر قُدِّر قائلًا لذلك اللفظ المتقدم.
فمذهب الحنفية: أن الشرط يمتنع به وجود العلة، فإذا وجد الشرط وجدت العلة، فيصير وجودها مضافًا إلى الشرط، وقبل تحققه لم يكن المعلق عليه علة، بخلاف الوجوب؛ فإنه ثابت قبل مجيء الشرط، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فالعلة للوقوع: التلفظ بالطلاق، والشرط الدخول، وتأثيره في امتناع وجود العلة قبله، فإذا وُجِدَ وُجِدَتْ.
وأصحاب الشافعي يقولون: أثر الشرط في تراخي الحكم، والعلة قد وُجدت، وإنما تراخى تأثيرها إلى وقت مجيء الشرط، فالمتقدم علة قد تأخر تأثيرها إلى مجيء الشرط.
فصل
وأما ما أفتى به الحسن وإبراهيم ومالك ــ في إحدى الروايتين عنه ــ: أن من شكّ هل انتقض وضوؤه أم لا؟ وجب عليه أن يتوضأ احتياطًا، ولا يدخل في الصلاة بطهارة مشكوك فيها.
فهذه مسألة١ نزاع بين الفقهاء.
وقد قال الجمهور ــ منهم الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وأصحابهم، ومالك في الرواية الأخرى عنه ــ: إنه لا يجب عليه الوضوء، وله أن يصلي بذلك الوضوء الذي تيقنه، وشك في انتقاضه.
(١) م، ت: «منزلة».
واحتجوا بما رواه مسلم في «صحيحه»١ عن أبى هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا، فأشكل عليه: أخَرجَ [٥٠ ب] منه شيء أم لا؟ فلا يخرج من المسجد، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». وهذا يَعُمُّ المصلي وغيره.
وأصحاب القول الأول يقولون: الصلاة ثابتة في ذمَّته بيقين، وهو يشك في براءة الذمة منها بهذا الوضوء، فإنه على تقدير بقائه هي صحيحة، وعلى تقدير انتقاضه باطلة، فلم يتيقن براءة ذمته، ولأنه شك في شرط الصلاة: هل هو ثابت أم لا؟ فلا يدخل فيها بالشك.
والآخرون يجيبون عن هذا؛ بأنها صلاة مستندة إلى طهارة معلومة قد شك في بطلانها، فلا يلتفت إلى الشك، ولا يزيل اليقين به، كما لو شكّ: هل أصاب ثوبَه أو بدنَه نجاسةٌ؟ فإنه لا يجب عليه غَسْلُهُ، وقد دخل في الصلاة بالشك.
ففرَّقوا بينهما بفرقين:
أحدهما: أن اجتناب النجاسة ليس بشرط، ولهذا لا يجب نيَّته، وإنما هو مانع، والأصل عدمه، بخلاف الوضوء، فإنه شرط، وقد شك في ثبوته، فأين هذا من هذا؟
الثاني: أنه قد كان قبل الوضوء مُحْدِثًا، وهو الأصل فيه، فإذا شك في بقائه كان ذلك رجوعًا إلى الأصل، وليس الأصل فيه النجاسة، حتى نقول: إذا شك في حصولها رجعنا إلى أصل النجاسة، فهنا يرجع إلى أصل الطهارة، وهناك يرجع إلى أصل الحدث.