وأما من ترك صلاةً من يومٍ لا يعلم عينَها؛ فاختلف الفقهاء في هذه المسألة على أقوال:
أحدها: أنه يلزمه خمس صلوات، نص عليه أحمد، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق ـ؛ لأنه لا سبيل له إلى العلم ببراءة ذمته يقينًا إلا بذلك.
القول الثاني: أنه يصلي رباعية، ينوي بها ما عليه، ويجلس عَقِيبَ الثانية والثالثة والرابعة، وهذا قول الأوزاعي، وزُفَر بن الهُذَيل، ومحمد بن مقاتل من الحنفية؛ بناء على أنه يخرج من الصلاة بدون الصلاة على النبي ﷺ، وبدون السلام، وأن نية الفرضيّة تكفي من غير تعيين، كما في الزكاة١، ولا يضرّ جلوسه عَقِيبَ الثالثة إن كانت المنسية رباعية؛ لأنه زيادة من جنس الصلاة، لا على وجه العَمْدِ.
القول الثالث: أنه يجزئه أن يصلي فجرًا ومغربًا، ورباعية ينوي ما عليه؛ وهذا قول سفيان الثوري، ومحمد بن الحسن.
ويُخَرَّج على المذهب إذا قلنا بأن نية المكتوبة تكفي من غير تعيين.
وقد قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يُسأل: ما تقول في رجل ذكر أن عليه صلاة لم يعيِّنها، فصلى ركعتين وجلس فتشهد، ونوى بها الغَداة ولم يسلِّم، ثم قام فأتى بركعة وجلس وتشهد ونوى بها المغرب، وقام ولم يسلِّم، وأتى برابعة ثم جلس، فتشهد ونوى بها ظهرًا أو عصرًا أو عشاء الآخرة، ثم
(١) م: «الصلاة»، وهو خطأ.
سلَّم؟ فقال له أبي: «هذا يجزئه، ويقضي عنه على مذهب العراقيين؛ لأنهم اعتمدوا في التشهُّد على خبر ابن مسعود: «إذا قلت هذا فقد تمت صلاتك»١،
وأما على مذهب صاحبنا أبي عبد الله الشافعي ومذهبنا؛ لا يجزئ عنه؛ لأنا نذهب إلى قوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»٢،
(١) رواه الطيالسي (٢٧٥)، وابن الجعد (٢٥٩٣)، وأحمد (١/ ٤٢٢)، والدارمي (١٣٤١)، وأبو داود (٩٧٢)، والطحاوي في معاني الآثار (١٥١٩)، وغيرهم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ أخذ بيده وعلمه التشهد وقال: «إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد»، وصححه ابن راهويه كما في فتح الباري لابن رجب (٥/ ١٨٨)، وبيَّن ابن حبان (١٩٦٢) والدارقطني (١/ ٣٥٢ - ٣٥٤) والبيهقي في الكبرى (٢/ ١٧٤ - ١٧٥) أن هذا من كلام ابن مسعود أدرجه بعض الرواة في كلام النبي ﷺ، وكذلك قاله أبو علي النيسابوري وأبو بكر الخطيب وغيرهم من الحفاظ كما في فتح الباري (٥/ ١٨٨)، وقال النووي في المجموع (٣/ ٤٨١): «زيادة مدرجة ليست من كلام النبي ﷺ باتفاق الحفاظ»، وقال ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٥٨): «الموقوف أشبه وأصحّ»، وهو مخرج في صحيح سنن أبي داود (٨٩١) ..
(٢) رواه الشافعي في الأم (١/ ١٠٠)، وعبد الرزاق (٢/ ٧٢)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٠٨)، وأحمد (١/ ١٢٣، ١٢٩)، والدارمي (٦٨٧)، وأبو داود (٦١، ٦١٨)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٢٧٥)، والبزار (٦٣٣)، وأبو يعلى (٦١٦)، وغيرهم من طرق عن الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي مرفوعًا، قال الترمذي: «هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه»، وقال العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٧، ٢٣٠): «في إسناده لين»، وصححه ابن السكن كما في البدر المنير (٣/ ٤٤٩)، وابن العربي في العارضة (١/ ٣٦)، وحسنه البغوي في شرح السنة (٥٥٨)، والضياء في المختارة (٧١٨، ٧١٩)، والنووي في الخلاصة (١٠٥١)، وابن حجر في نتائج الأفكار (٢/ ٢٣٠)، وزكريا الأنصاري في أسنى المطالب (١/ ١٦٦)، وهو في صحيح سنن أبي داود (٥٥). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن زيد وابن عباس وأنس ﵃.