إغاثة اللهفان

والرُّبيع بنت مُعَوِّذ١، وغيرهم، فلم يقل أحد منهم: إنه غسل داخل عينيه.

وفى وجوبه في الجنابة روايتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يجب، وهو قول الجمهور.

وعلى هذا فلا يجب غسلهما من النجاسة وأولى؛ لأن المضرَّة به أغلب؛ لزيادة التكرار والمعالجة.

وقالت الشافعية والحنفية: يجب؛ لأن إصابة النجاسة لهما تَنْدُر، فلا يشق غسلهما منها.

وغلا بعض الفقهاء من أصحاب أحمد، فأوجب غسلهما في الوضوء، وهو قولٌ لا يُلتفت إليه، ولا يُعرَّج عليه.

والصحيح أنه لا يجب غسلهما في وضوء، ولا جنابة، ولا نجاسة.

وأما فعل أبى هريرة ﵁: فهو شيء تأوّله، وخالفه فيه غيره، وكانوا ينكرونه عليه، وهذه المسألة تُلقّب بمسألة «إطالة الغرة»، وإن كانت الغُرَّة في الوجه خاصة.

وقد اختلف الفقهاء في ذلك، وفيها روايتان عن الإمام أحمد:

إحداهما: تُستحب إطالتها، وبها قال أبو حنيفة، والشافعي، واختارها أبو البركات ابن تيمية وغيره.

والثانية: لا تُستحب، وهي مذهب مالك، وهى اختيار شيخنا أبي العباس.

  1. (١) أخرجه أبو داود (١٢٦)، والترمذي (٣٣)، وابن ماجه (٣٩٠).
327

والمستحبون يحتجون بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أنتم الغُرّ المحَجّلون يوم القيامة من أثر الوضوء؛ فمن استطاع منكم فليُطِلْ غُرّته وتَحْجيله». متفق عليه١، ولأن الحِلْية تبلغ من المؤمن حيث يبلغ الوضوء٢.

قال النافون للاستحباب: قال رسول الله ﷺ: «إن الله حَدَّ حدودًا فلا تعتدوها»٣، والله سبحانه قد حدّ المرفقين والكعبين، فلا ينبغي تعدِّيهما، ولأن رسول الله ﷺ لم يَنقُل مَنْ نقل عنه وضوءه أنه تعدّاهما، ولأن ذلك أصل الوسواس ومادّته، ولأن فاعله إنما يفعله قُربةً وعبادةً، والعبادات مبناها

  1. (١) البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦). وقوله: «فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله» ليس مرفوعًا، بل هو مدرج من قولي أبي هريرة، وسيأتي كلام المؤلف عليه.
  2. (٢) أخرجه مسلم (٢٥٠) عن أبي هريرة.
  3. (٣) جزء من حديث رواه مسدّد وابن أبي شيبة كما في إتحاف الخيرة (٧٧٨)، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٢١)، والدارقطني (٤/ ١٨٣)، والحاكم (٧١١٤)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ١٢)، وغيرهم من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁، وحسنه أبو بكر السمعاني كما في جامع العلوم والحكم (ص ٢٧٦)، والنووي في الأربعين (٣٠) وفي غيره، وصححه ابن القيم في الإعلام (١/ ٢٤٩)، وابن كثير في تفسيره (١/ ٦٢١)، والبوصيري، والهيتمي في الزواجر (١/ ٢١)، لكن أعِلَّ بالوقف والقطع والانقطاع، قال ابن عساكر في معجمه (٢/ ٨٥): «هذا حديث غريب، ومكحول لم يسمع من أبي ثعلبة»، وقال الذهبي في المهذب (٨/ ٣٩٧٦): «موقوف ومنقطع؛ لم يلق مكحول أبا ثعلبة»، وقال ابن حجر في المطالب العالية (٢٩٣٤): «رجاله ثقات إلا أنه منقطع». وفي الباب عن أبي الدرداء وابن عباس وسلمان ﵃.
328

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي