فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النّمَط الأوسط، الذين ارتفعوا عن تقصير المفرِّطين، ولم يلحقوا بغُلُوّ المعتدين، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وَسَطًا، وهى الخيار العدل، لتوسطها بين الطرفين المذمومين، والعدلُ هو الوسط بين طرفي الجَوْرِ والتفريط، والآفاتُ إنما تتطرّق إلى الأطراف، والأوساط مَحْميَّة بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها. قال الشاعر:
ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يُرد الله فتنته: ما أوحاه قديمًا وحديثًا إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابُها من دون الله، وعُبِدتْ قبورهم، واتُّخِذت أوثانًا، وبُنيت عليها الهياكل، وصُوّرت صورُ أربابها فيها، ثم جعلت تلك الصور أجسادًا لها ظلٌّ، ثم جُعلت أصنامًا، وعُبدت مع الله.
وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح، كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، حيث يقول: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا
(١) كذا ورد البيت في كتاب «الصلاة» للمؤلف (ص ٣٩٦). وهو لأبي تمام في ديوانه (٢/ ٣٧٤) مع اختلاف في الرواية.
قال ابن جرير١: «وكان من خبر هؤلاء فيما بلغنا: ما حدثنا به ابن حُميد، حدثنا مِهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس: أن يَغوثَ ويَعوق ونسرًا كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوقَ لنا إلى العبادة إذا ذكرْناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقَون المطرَ، فعبدوهم».
قال سفيان، عن أبيه، عن عِكْرمة قال: «كان بين آدم ونوح ﵉ عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام»٢.
حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا عبد الرزاق٣، عن مَعْمر، عن قتادة؛ في هذه الآية، قال: «كانت آلهةً يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان وَدٌّ لكلبٍ بدُوْمَة الجَنْدَل، وكان سُواعٌ لهُذَيل، وكان يَغوث لبني غُطَيف من مُراد، وكان يَعوقُ لهَمْدَان، وكان نَسر لذي الكَلاع من حِمْيَر»٤.
(١) تفسير الطبري (٢٣/ ٦٣٩)، وفي سنده محمد بن حميد حافظٌ ضعيف، ومهران بن أبي عمر عنده غلط كثير في حديث سفيان الثوري.
(٢) تفسير الطبري (٢٣/ ٦٣٩) عن ابن حميد عن مهران عن سفيان به، ورواه أيضًا ابن سعد في الطبقات (١/ ٤٢، ٥٣) وابن عساكر في تاريخ دمشق (١/ ٣٢، ٦٢/ ٢٤٢) عن قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري به.
(٣) «حدثنا عبد الرزاق» ساقطة من الأصل.
(٤) لم أقف عليه بهذا الإسناد عند الطبري، وهو إنما يروي تفسير عبد الرزاق في كتابه عن الحسن بن يحيى، وكثيرًا ما يقول: «حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر ــ وحدثنا الحسن بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر ــ عن قتادة». وقد روى هذا الأثر في تفسيره (٢٣/ ٦٤٠) عن ابن عبد الأعلى عن ابن ثور عن معمر عن قتادة، ورواه أيضًا (٢٣/ ٦٣٩) عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة، ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٣٢٠) عن معمر عن قتادة.