إغاثة اللهفان

وفي «صحيح البخاري»١: أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر، فقال: القبرَ، القبرَ.

وهذا يدل على أنه كان من المُسْتَقرِّ عند الصحابة ﵃: ما نهاهم عنه نبيهم من الصلاة عند القبور، وفعلُ أنس لا يدل على اعتقاد جوازه؛ فإنه لعله لم يَرَهُ، أو لم يعلم أنه قبر، أو ذَهل عنه، فلما نبَّهه عمر تنبَّه.

وقال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ: «الأرضُ كلها مسجد إلا المقبرة والحمَّام» رواه الإمام أحمد، وأهل «السنن الأربعة»، وصححه أبو حاتم بن حبان٢.

  1. (١) هذا الأثر معلّق في أبواب المساجد من صحيح البخاري، باب: هل تُنبش قبور مشركي الجاهلية ويُتخذ مكانها مساجد؟ ورواه عبد الرزاق (١/ ٤٠٤) ــ ومن طريقه ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٨٦) ــ عن معمر عن ثابت عن أنس، صححه الألباني في تحذير الساجد (ص ٣٥). ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢/ ١٥٣) وابن منيع ــ كما في المطالب العالية (٣/ ٤١٧) ــ والبيهقي في الكبرى (٢/ ٤٣٥) من طرق عن حميد عن أنس قال: قمت يوما أصلي وبين يديّ قبر لا أشعر به، فناداني عمر: القبر القبر. ورواه ابن أبي شيبة وابن منيع ــ كما في المطالب العالية ــ عن هشيم عن منصور عن الحسن عن أنس عن عمر، قال ابن حجر: «هذا خبر صحيح».
  2. (٢) تقدم تخريجه، وقد قال المصنف في عزوه فيما تقدّم: «رواه أهل السنن كلهم إلا النسائي»، وهو أدقّ؛ فإن النسائي لم يخرجه.
338

وأبلغ من هذا: أنه نهى عن الصلاة إلى القبر، فلا يكون القبر بين المصلي وبين القِبلة.

فروى مسلم في «صحيحه»١ عن أبي مَرْثَد الغَنَويّ، أن رسول الله ﷺ قال: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلُّوا إليها».

وفى هذا إبطالُ قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول ﷺ، وهو باطل من عِدّة أوجه:

منها: أن الأحاديث كلَّها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة، كما يقوله المعلِّلون بالنجاسة.

ومنها: أنه ﷺ لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعًا أن هذا ليس لأجل النجاسة؛ فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء، ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع، ليس للنجاسة عليها طريق البتة، فإن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم طرِيُّون.

ومنها: أنه نهى عن الصلاة إليها.

ومنها: أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرةَ والحمامَ، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر٢ الحُشوش والمجازر ونحوها٣ أولى من ذكر القبور.

  1. (١) برقم (٩٧٢).
  2. (٢) م: «ذلك».
  3. (٣) «ونحوها» ساقطة من الأصل.
339

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي