ومنها: أن موضع مسجده ﷺ كان مقبرة للمشركين، فنَبَش قبورَهم وسَوّاها واتخذه مسجدًا، ولم ينقل ذلك الترابَ، بل سوى الأرض ومهّدها وصلى فيه.
كما ثبت في «الصحيحين»١ عن أنس بن مالك ﵁، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، فنزل بأعلى المدينة في حَيٍّ يقال [٥٣ ب] لهم: بنو عمرو بن عَوْف، فأقام النبي ﷺ فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى ملأ بني النجار، فجاءوا مُتَقَلِّدين السيوفَ، وكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته، وأبو بكر دونه٢، وملأُ بَنِي النجار حوله، حتى ألْقى بفناء أبي أيوب، وكان يُحبّ أن يصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويصلي في مَرابِض الغنم، وإنه أمَر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار، فقال: «يا بني النجار! ثامِنُوني بحائطكم هذا»، قالوا: لا والله، لا نطلبُ ثمنه إلا إلى الله، فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خَرِب، وفيه نخل، فأمر النبي ﷺ بقبور المشركين فنُبِشت، ثم بالخَرب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، فصفّوا النخل قِبْلَة المسجد، وجعلوا عِضادَتيه الحجارة، وجعلوا ينقلون الصخر وهم يَرْتَجزون. وذكر الحديث.
ومنها: أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عُبّاد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك سدًّا لذريعة التشبه الذي لا يكاد يخطر ببال المصلي؛ فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرًا ما تدعو صاحبها إلى الشرك، ودعاء الموتى، واستيجابهم، وطلب
(١) البخاري (٤٢٨)، ومسلم (٥٢٤).
(٢) ح، ظ: «ردفه».
الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك، مما هو محادّة ظاهرة لله ورسوله؟
فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة مما يدل على أن النبي ﷺ قصد منع الأمة من الفتنة بالقبور؛ كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم؟
ومنها: أنه لعن المتخذين عليها المساجد، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر، فتزول اللعنة، وهو باطل قطعًا.
ومنها: أنه قرن في اللعنة بين متخذي المساجد عليها، وموقدي السُّرُج عليها، فهما في اللعنة قرينان، وفى ارتكاب الكبيرة صِنوان؛ فإن كل ما لَعَن عليه رسول الله ﷺ فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد السُّرج عليها إنما لُعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها، وجعلها نُصُبًا يُوفِضُ إليه المشركون، كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما؛ فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها، وتعريض للفتنة بها، ولهذا حكى الله سبحانه عن المتغلِّبين على أمر أصحاب الكهف، أنهم قالوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾[الكهف: ٢١].
ومنها: أنه ﷺ قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»١، فذِكْرُهُ ذلك عَقيبَ قوله: «اللهم
(١) رواه مالك (٤١٤) ــ ومن طريقه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٢٤٠) ــ عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار به مرسلا، ورُوي موصولا من طريق أخرى عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد. ورواه الحميدي (١٠٢٥) ــ ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣١٧) ــ وابن سعد (٢/ ٢٤١) وأحمد (٢/ ٢٤٦) والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧) والمفضل الجندي في فضائل المدينة (٥١) وأبو يعلى (٦٦٨١) وغيرهم عن ابن عيينة عن حمزة بن المغيرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا، قال البوصيري في إتحاف الخيرة (٣/ ٢٦٠): «رجاله ثقات»، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ٢١٧). وفي الباب عن عمر وعن سعيد بن أبي سعيد مولى المهري.