إغاثة اللهفان

لا تجعل قبري وثنًا يعبد» تنبيه منه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسُّلهم بذلك إلى أن تصير أوثانًا تُعبد.

وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفَهِمَ عن الرسول ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه واللعن والنهي بصيغتيه ــ صيغة «لا تفعلوا»، وصيغة «إني أنهاكم» ــ ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربَّه ومولاه، وقلّ نصيبه أو عُدِمَ من تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانةٌ لحِمَى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريدٌ له وغضب لربِّه أن يُعدَل به سواه.

فأبى المشركون إلا معصية لأمره، وارتكابًا لنهيه، وغَرّهم الشيطان بأن هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشدَّ لها تعظيمًا، وأشدَّ فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.

ولعَمْرُ الله مِنْ هذا [٥٤ أ] الباب بعينه دُخِلَ على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دُخِلَ على عبَّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهَدَى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم، وإنزالِهِمْ منازَلُهمْ التي أنزلهم الله إياها، من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. وأمّا المشركون فعصوا أمرهم، وتنقَّصوهم في صورة التعظيم لهم.

342

قال الشافعي١ رحمة الله عليه: «أكره أن يُعظَّم مخلوق حتى يُجعَل قبره مسجدًا، مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس».

وممَّن علل بالشرك ومشابهة اليهود والنصارى: الأثرَم في كتاب «ناسخ الحديث ومنسوخه»؛ فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: «جُعلت لي الأرض مسجدًا إلا المقبرة والحمام»٢، وحديث زيد بن جَبِيرَة٣، عن داود بن الحُصين، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في سبع مواطن٤، وذكر منها المقبرة؛ قال الأثرم: «إنما كُرِهت الصلاة في المقبرة للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد».

  1. (١) نقله النووي في المجموع (٥/ ٣١٤).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) في الأصل وبقية النسخ: «جبير». والتصويب من مصادر التخريج.
  4. (٤) رواه عبد بن حميد (٧٦٥)، والترمذي (٣٤٦، ٣٤٧)، وابن ماجه (٧٤٦)، والروياني (١٤٣١)، والطحاوي في شرح المعاني (٢٠٩٨)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٧١)، وابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٠)، وغيرهم، قال الترمذي: «إسناده ليس بذاك القويّ، وقد تُكلِّم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه»، وضعّفه أبو حاتم كما في العلل لابنه (١/ ١٤٨)، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٩٠)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٢٠٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٢٦)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٣٩٩)، وابن دحية في تنويره كما في البدر المنير (٣/ ٤٤٣)، والنووي في الخلاصة (٩٤١)، وابن الملقن، والشنقيطي في الأضواء (٢/ ٢٩٤)، والألباني في الإرواء (٢٨٧). وروِي الحديث أيضًا من طريق أبي صالح عن الليث حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر، ومن طريق الليث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر، ومال إلى تقويته ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٤٣٢).
343

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي