حدثنا زيد بن الحُباب، حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولَد ذي الجناحين، حدثنا [علي بن عمر، عن أبيه، عن]١ علي بن الحسين: أنه رأى رجلًا يجيء إلى فُرْجَةٍ كانت عند قبر النبي ﷺ، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ؟ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا؛ فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم».
رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مختارته»٢.
وقال سعيد بن منصور [٥٤ ب] في «السنن»: حدثنا حِبّان بن علي: حدثني محمد بن عجلان، عن أبي سعيد مولى المَهْري، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني»٣.
وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد، أخبرنا سهيل بن أبي سهيل، قال: رآني الحسن بن الحسن بن على بن أبي طالب٤ عند القبر، فناداني
(١) «علي بن عمر عن أبيه عن» ساقطة من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) المختارة للضياء المقدسي (١/ ١٥٤) من طريق أبي يعلى.
(٣) هذا الحديث مرسل، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٦١، ٦٢) من طريق عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده عن ابن عجلان عن سهيل وسعيد ابن أبي سعيد مولى المهري عن الحسن به، وذكر قصة الرجل الذي كان يأتي القبر، قال الذهبي في السير (٤/ ٤٨٤): «هذا مرسل».
(٤) ح: «علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب».
وهو في بيت فاطمة يتعشّى، فقال: هَلُمّ إلى العشاء، فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي ﷺ، فقال: إذا دخلت المسجد فسلِّمْ، ثم قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم». ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواءٌ١.
فهذان المرسلان ــ من هذين الوجهين المختلفين ــ يدلَّان على ثبوت الحديث؛ لا سيما وقد احتج من أرسله به، وذلك يقتضي ثبوته عنده، هذا لو لم يكن رُويَ من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدّم مسندًا؟
قال شيخ الإسلام٢ قدَّس الله روحه: ووجه الدلالة: أن قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الأرض، وقد نَهى عن اتخاذه عيدًا، فقبر غيره أولى بالنهي، كائنًا من كان، ثم إنه قرن ذلك بقوله: «ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا» أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرّي النافلة في البيوت، ونهى عن تحرّي العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى وأشباههم، ثم إنه عقّب النهي عن اتخاذه عيدًا
(١) رواه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٣٠) عن إبراهيم بن حمزة عن عبد العزيز بن محمد به، ورواه عبد الرزاق (٣/ ٥٧٧) عن الثوري، وابن أبي شيبة (٢/ ١٥٠، ٣/ ٣٠) عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن ابن عجلان عن سهيل به مختصرًا، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٣/ ٦١، ٦٢) من طريق ابن عجلان عن سهيل وسعيد بن أبي سعيد مولى المهري عن الحسن به، ورواه ابن خزيمة في حديث علي بن حجر عن إسماعيل عن سهيل به نحوه، قال الألباني في أحكام الجنائز (ص ٢٢٠): «مرسل إسناده قوي».