إغاثة اللهفان

ومنها: إماتة السنن، وإحياء البدع.

ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبِّها إلى الله؛ فإن عُبّاد القبور يقصدونها من١ التعظيم والاحترام والخشوع ورِقَّة القلب والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ولا يحصل لهم فيها نظيره، ولا قريب منه.

ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد وخراب المساجد، ودينُ الله الذي بعث به رسوله ﷺ بضد ذلك، ولهذا لما كانت الرافضة من أبعد الناس عن العلم والدين عَمروا المشاهد، وأخربوا المساجد.

ومنها: أن الذي شرعه الرسول ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكر الآخرة، والإحسان إلى المَزُورِ بالدعاء له، والترحّم عليه، والاستغفار له، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنًا إلى نفسه وإلى الميت، فقلَبَ هؤلاء المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت، ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركات منه، ونصره لهم على الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت، ولو لم يكن إلا بحرمانه بَركة ما شرعه الله من الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له.

فاسمع الآن زيارة أهل الإيمان، التي شرعها الله على لسان رسوله ﷺ، ثم وازِنْ بينها وبين زيارة أهل الإشراك، التي شرعها لهم الشيطان، واختر لنفسك.

  1. (١) ت، ش، ظ: «مع».
359

قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا كان ليلتي منه؛ يخرج من آخر الليل إلى البَقيع، فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين! وأتاكم ما تُوعدون؛ غدًا مؤجَّلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بَقيع الغَرْقد». رواه مسلم١.

وفى «صحيحه»٢ عنها أيضًا: أن جبريل ﵇ أتاه، فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع، فتستغفرَ لهم، قالت: قلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين! ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم٣ للاحقون».

وفى «صحيحه»٤ أيضًا عن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ يُعلِّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام على أهل الديار ــ وفي لفظ: السلام عليكم أهل الديار ــ من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية».

وعن بُريدة قال: قال رسول الله ﷺ: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور، فمن أراد أن يزور فليَزُرْ، ولا تقولوا هُجْرًا» رواه أحمد، والنسائي٥.

  1. (١) برقم (٩٧٤/ ١٠٢).
  2. (٢) برقم (٩٧٤/ ١٠٣).
  3. (٣) «بكم» ساقطة من الأصل.
  4. (٤) برقم (٩٧٥).
  5. (٥) مسند أحمد (٥/ ٣٦١)، سنن النسائي (٢٠٣٣)، ورواه أيضا الطبراني في الأوسط (٢٣٨، ٢٩٦٦)، والإسماعيلي في معجمه (١٩٢)، وصححه النووي في الخلاصة (٢/ ١٠٦٠)، والألباني في الإرواء (٣/ ٢٢٦). وهو عند مسلم (٩٧٧) لكن ليس فيه النهي عن قول الهجر. وفي الباب عن أنس وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وثوبان وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي ذر وزيد بن الخطاب وجابر بن عبد الله وحيان الأنصاري وعائشة وأم سلمة ﵃.
360

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي