فقال سلمة بن وَرْدان: رأيتُ أنس بن مالك ﵁ يُسلّم على النبي ﷺ ثم يُسندِ ظهره إلى جِدار القبر، ثم يدعو١.
ونص على ذلك الأئمةُ الأربعةُ: أنه يستقبل القِبْلة وقت الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر؛ فإن الدعاء عبادة.
وفي «الترمذي»٢ وغيره مرفوعًا: «الدعاء هو العبادة».
(١) رواه ابن زبالة في أخبار المدينة ــ كما في الاقتضاء (ص ٣٧٢) ــ عن عمر بن هارون عن سلمة بن وردان به، قال ابن تيمية: «محمد بن الحسن بن زبالة صاحبُ أخبار، وهو مضعَّف عند أهل الحديث؛ كالواقدي ونحوه، لكن يُستأنس بما يرويه ويُعتبر به»، وعمر بن هارون البلخي واهٍ اتَّهمه بعضهم، وسلمة بن وردان ضعيف. وروى البيهقي في الشعب (٣/ ٤٩١) من طريق ابن أبي الدنيا عن الحسن بن الصباح عن معن عن عبد الله بن منيب بن عبد الله بن أبي أمامة عن أبيه قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي ﷺ فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي ﷺ ثم انصرف. ولم يذكر الدعاء، ومنيب قال عنه ابن حجر: «مقبول».
(٢) سنن الترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧، ٣٣٧٢) من حديث النعمان بن بشير ﵁، ورواه أيضًا ابن المبارك في الزهد (١٢٩٨، ١٢٩٩)، والطيالسي (٨٠١)، وعبد الرزاق في التفسير (٣/ ١٨٢)، وابن أبي شيبة (٦/ ٢١)، وأحمد (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٧١٤)، وأبو داود (١٤٨١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٦٤)، وابن ماجه (٣٨٢٨)، وغيرهم، قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه ابن حبان (٨٩٠)، والحاكم (١٨٠٢، ١٨٠٣، ١٨٠٤)، والنووي في الأذكار (١١٦١)، والشوكاني في تفسيره (١/ ٢٨٤)، وحسنه ابن حجر في الفتح (١/ ٤٩)، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (ص ١٩٤). وفي الباب عن البراء وأنس ﵄.
فجرَّد السلفُ العبادة لله، ولم يفعلوا عند القبور منها إلا ما أَذِن فيه رسول الله ﷺ من السلام على أصحابها، والاستغفار لهم، والترحّم عليهم.
وبالجملة فالميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شُرع في الصلاة عليه من الدعاء له وجوبًا واستحبابًا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي.
قال عوف بن مالك: صلّى رسول الله ﷺ على جنازة، فحفظتُ من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافِه واعفُ عنه، وأكرِمْ نُزُله، ووسّع مُدْخَله، واغسله بالماء والثلج والبَرَد، ونَقّه من الخطايا كما نقّيت الثوب الأبيض من الدّنَس، وأبْدِلْه دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعِذْه من عذاب القبر ــ أو من عذاب النارـ»؛ حتى تمنيتُ أن أكون أنا الميت، لدعاء رسول الله ﷺ على ذلك الميت. رواه مسلم١.
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاته على الجنازة: «اللهم أنت ربّها، وأنت خلقتها، وأنت هديتَها للإسلام، وأنت قبضت روحها، وأنت أعلم بِسرها وعلانيتها، جئنا شُفعاء؛ فاغفر له». رواه الإمام أحمد٢.
(١) برقم (٩٦٣).
(٢) مسند أحمد (٢/ ٢٥٦، ٣٤٥، ٣٦٣، ٤٥٨)، ورواه أيضا ابن أبي شيبة (٢/ ٤٨٨، ٦/ ٩٨)، وابن راهويه (٢٨٧، ٤٦٣)، وعبد بن حميد (١٤٥٠)، وأبو داود (٣٢٠٢)، والنسائي في الكبرى (١٠٩١٥، ١٠٩١٦، ١٠٩١٧)، والطبراني في الدعاء (١١٧٩، ١١٨٠، ١١٨١، ١١٨٣، ١١٨٤، ١١٨٥، ١١٨٦) وفي غيره، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٤٢)، وغيرهم، وصححه النووي في الخلاصة (٢/ ٩٧٩)، وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (٤/ ١٧٦)، مع أنّ في سنده اختلافًا كثيرًا، ورواه الطبري في تهذيب الآثار (٢٩٢ ــ الجزء المفقود ـ) والفسوي في المعرفة (٣/ ٢٠٢) عن أبي هريرة موقوفًا. وفي الباب عن أنس وعلي وعن رجل من مزينة.