وفي «سنن أبي داود»١ عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صليتم على الميت فأخْلِصوا له الدعاء».
وقالت عائشة وأنس عن النبي ﷺ: «ما من ميت يصلي عليه أُمةٌ من المسلمين يبلُغون مئةً كُلُّهم يشفعون له؛ إلا شُفِّعوا فيه» رواه مسلم٢.
وعن ابن عباس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما مِنْ رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يُشركون [٥٧ ب] بالله شيئًا؛ إلا شفّعهم الله فيه». رواه مسلم٣.
فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له، والاستغفار، والشفاعة فيه.
ومعلوم أنه في قبره أشدّ حاجة منه على نَعْشِه؛ فإنه حينئذٍ مُعرَّض للسؤال وغيره.
(١) سنن أبي داود (٣٢٠١)، ومن طريقه البيهقي في الكبرى (٤/ ٤٠)، ورواه أيضًا ابن ماجه (١٤٩٧)، والطبري في تهذيب الآثار (٣٠٥، ٣٠٦ ــ الجزء المفقود ـ)، والطبراني في الدعاء (١٢٠٥، ١٢٠٦)، وصححه ابن حبان (٣٠٧٦، ٣٠٧٧)، وفي سنده ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث عند الطبري وابن حبان؛ ولذا حسَّنه الألباني في الإرواء (٧٣٢).
(٢) برقم (٩٤٧).
(٣) برقم (٩٤٨).
وقد كان ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: «سلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل»١.
فعُلم أنه أحوج إلى الدعاء له بعد الدفن، فإذا كنا على جنازته ندعو له، لا نَدعو به، ونشفع له، لا نستشفع به، فبَعد الدفن أولى وأحرى.
فبدّل أهل البدع والشرك قولًا غير الذي قيل لهم، بدَّلوا الدعاءَ له بدعائه نفسه، والشفاعةَ له بالاستشفاع به، وقصدوا بالزيارة ــ التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت وإحسانًا إلى الزائر، وتذكيرًا بالآخرة ــ سؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مُخّ العبادة، وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد، وأوقات الأسحار.
ومن المُحال أن يكون دعاء الموتى أو الدعاء بهم أو الدعاء عندهم مشروعًا وعملًا صالحًا، ويُصرف عنه القرونُ الثلاثة المفضّلة بنص رسول الله ﷺ، ثم يُرْزَقَه الخُلوف الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.
فهذه سُنة رسول الله ﷺ في أهل القبور بِضْعًا وعشرين سَنةً، حتى توفاه الله، وهذه سُنّة خلفائه الراشدين، وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان، هل يُمكنُ بَشرًا على وجه الأرض أن يأتي عن أحد منهم بنقل
(١) رواه أبو داود (٣٢٢٣)، وعبد الله بن أحمد في فضائل الصحابة (٧٧٣)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٥٦)، والضياء في المختارة (٣٨٨) من حديث عثمان بن عفان ﵁، وصححه الحاكم (١٣٧٢)، وحسنه المنذري كما في البدر المنير (٥/ ٣٣١)، والنووي في المجموع (٥/ ٢٩٢) وفي غيره، وابن القيم في الروح (ص ١٣)، وهو في صحيح الترغيب (٣٥١١).