وقد ذكر البخاري في «الصحيح»٢ عن أمّ الدرداء ﵂، قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء مُغضَبًا، فقلت له: ما لَك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا!
وروى مالك في «الموطأ»٣ عن عمه أبي سُهيل بن مالك، عن أبيه، أنه قال: ما أعرف شيئًا مما أدركتُ عليه الناس إلا النّداء بالصلاة؛ يعني الصحابة ﵃.
وقال الزهريّ: دخلت على أنس بن مالك بدمشق، وهو يبكي، فقلت له: ما يُبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئًا مما أدركتُ إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيّعت، ذكره البخاري٤.
وفي لفظ آخر: ما كنت أعرف شيئًا على عهد رسول الله ﷺ إلا قد أنكرته اليوم٥.
(١) البيت بلا نسبة في تاج العروس (شرق). وكان ينشده أبو إسحاق الشيرازي كما في الوافي بالوفيات (٦/ ٦٤)، والروض المعطار (ص ٤٤٤).
(٢) برقم (٦٥٠).
(٣) الموطأ (١٥٥)، ومن طريق مالك رواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٧٤).
(٤) صحيح البخاري (٥٣٠).
(٥) أقرب ما وقفتُ عليه إلى هذا اللفظ ما ذكره ابن رجب في الفتح (٣/ ٥٦) قال: «ورواه حماد بن سلمة أن ثابتًا أخبره قال: قال أنس: ما شيء شهدته على عهد رسول الله إلا وقد أنكرته اليوم» الأثر.
وقال الحسن البصري: سأل رجل أبا الدرداء ﵁ فقال: رحمك الله! لو أن رسول الله ﷺ بين أظهرنا هل كان ينكر شيئًا مما نحن عليه؟ فغضب، واشتد غضبه، وقال: وهل كان يعرف شيئًا مما أنتم عليه؟١.
وقال المبارك بن فَضَالة: صلى الحسنُ الجمعة وجلس، فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء، ولو أن رجلًا من المهاجرين اطّلع من باب مسجدكم ما عرف شيئًا مما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم اليوم عليه؛ إلا قِبْلَتكم هذه!٢.
وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود ﵁: «كيف أنتم إذا لَبِستكم فتنة، يَهْرَم فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس، يتخذونها سُنة؛ إذا غُيّرت قيل: غُيّرت السنة، أو هذا منكر»٣.
(١) لم أقف على هذه الرواية، وروى البخاري (٦٢٢) عن أم الدرداء قالت: دخل عليَّ أبو الدرداء وهو مغضَب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله، ما أعرف من أمّة محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلّون جميعًا.
(٢) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٤/ ١)، ورواه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (١٧٦) من طريق ابن عيينة عن ابن فضالة عن الحسن قال: لو أنّ رجلا أدرك السلف الأوّل ثم بعِث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خدّه ثم قال: إلا هذه الصلاة.
(٣) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٥٢)، والدارمي (١٨٥)، والشاشي (٦١٣)، والحاكم (٨٥٧٠)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٦١) من طرق عن الأعمش عن شقيق عن ابن مسعود. ورواه معمر في جامعه (١١/ ٣٥٩) - ومن طريقه الخطابي في العزلة (ص ٨٤) ــ عن قتادة عن ابن مسعود. ورواه الدارمي (١٨٦) وابن وضاح في البدع (٢٦١) وابن حزم في الإحكام (٦/ ٣١٥) من طريق علقمة، ونعيم في الفتن (٦٩) من طريق عمرو بن ميمون، وابن وضاح في البدع (٧٨) من طريق زبيد اليامي، ثلاثتهم عن ابن مسعود. وهو في صحيح الترغيب (١١١). ورُوِي مرفوعًا.