إغاثة اللهفان

وهذا مما يدل على أن العمل إذا جرى على خلاف السنة فلا عبرة به، ولا التفات إليه؛ فإن العمل قد جرى على خلاف السنة منذ زمن أبي الدرداء، وأنس، كما تقدم.

وذكر أبو العباس أحمد بن يحيى: حدثني محمد بن عُبيد بن ميمون، حدثني عبد الله بن إسحق الجعفري، قال: كان عبد الله بن الحسن يُكْثِرُ الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يومًا السّنن، فقال رجل كان في المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: أرأيت إن كثر الجهّال، حتى يكونوا هم الحكّام، فهم الحجة على السنة؟ فقال ربيعة: أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء١.

فصل

ومن أعظم مكايده: ما نصبَهُ للناس من الأنصاب والأزلام التي هي مِنْ عمله، وقد أمر الله تعالى باجتناب ذلك، وعَلّق الفلاح باجتنابه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].

فالأنصاب: كل ما نُصِب يُعْبد من دون الله من حجر، أو شجر، أو وثنٍ، أو قبرٍ، وهي [٥٩ أ] جمع، واحدها نُصْب، كطنْب وأطناب.

  1. (١) رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٨٠)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٧/ ٣٧٢) من طريق أحمد بن يحيى به.
375

قال مجاهد١، وقتادة٢، وابن جريج٣: كانت حول البيت أحجار كان أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويُشرِّحون اللحم عليها، وكانوا يعظِّمون هذه الحجارة ويعبدونها، قالوا: وليست بأصنام، إنما الصنم ما يُصَوَّر ويُنقش.

وقال ابن عباس٤: هي الأصنام التي تُعَبد من دون الله.

وقال الزّجاج٥: حجارة كانت لهم يعبدونها، وهي الأوثان.

  1. (١) أقوال هؤلاء المفسرين منقولة من البسيط للواحدي (٧/ ٢٤٨ ــ ٢٤٩). وقول مجاهد: «النصُب: حجارة حول الكعبة، يذبح عليها أهل الجاهلية، ويبدِّلونها إذا شاؤوا بحجارة أعجب إليهم منها» رواه ابن جرير في تفسيره (١١٠٤٩، ١١٠٥٠، ١١٠٥١، ١١٠٥٥) من طريق ابن أبي نجيح والقاسم بن أبي بزة عن مجاهد به، وعزاه في الدر المنثور (٣/ ١٥) لعبد بن حميد وابن المنذر.
  2. (٢) قول قتادة: «النصب: حجارةٌ كان أهل الجاهلية يعبدونها ويذبحون لها، فنهى الله عن ذلك» رواه ابن جرير في تفسيره (١١٠٥٢).
  3. (٣) قول ابن جريج: «النصُب ليست بأصنام، الصنم يصوَّر وينقش، وهذه حجارة تنصَب، ثلثمائة وستون حجرًا، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبَل من البيت، وشرَّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة» رواه ابن جرير في تفسيره (١١٠٤٨)، وعزاه في الدر المنثور (٦/ ٥٦) لابن المنذر.
  4. (٤) تفسير ابن عباس للنّصُب بالأصنام رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ٢٤٩) من طريق ابن أبي طلحة عنه. وروى الطستي في مسائله ــ كما في الدر المنثور (٣/ ١٤) ــ عن ابن عباس قال: «الأنصاب: الحجارة التي كانت العرب تعبدها من دون الله وتذبح لها»، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦٧٥٤) عن عطاء عنه. وروى ابن جرير في تفسيره (١١٠٥٤) عن علي بن أبي طلحة عنه قال: «النصب: أنصاب كانوا يذبحون ويُهلُّون عليها»، وعزاه في الدر المنثور (٣/ ١٤) لابن المنذر.
  5. (٥) معاني القرآن (٢/ ١٤٦).
376

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي