وقال سعيد بن جُبير١: كانت لهم حَصَيات، إذا أراد أحدهم أن يغزو أو يجلس استقسم بها.
وقال أيضًا٢: هي القِدْحان٣ اللذان كان يستقسم بهما أهل الجاهلية في أمورهم، أحدهما: عليه مكتوب أمرني ربي، والآخر: نهاني ربي، فإذا أرادوا أمرًا ضربوا بها، فإن خرج الذي عليه «أمرني» فعلوا ما همّوا به، وإن خرج الذي عليه: «نهاني» تركوه.
قال أبو عُبيد٤: الاستقسام: طلبُ القسمة.
وقال المبرد: الاستقسام: أخذُ كلِّ واحدٍ قَسْمَه.
وقيل: الاستقسام: إلزام أنفسهم بما تأمرهم به القداح، كقسم اليمين.
وقال الأزهري: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾[المائدة: ٣]؛ أي: تطلبوا من جهة الأزلام ما قُسِم لكم من أحد الأمرين.
(١) رواه ابن جرير في تفسيره (١١٠٥٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٦٧٥٦) من طريقين عن أبي حصين عنه.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦٧٥٧) من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عنه، ورواه ابن جرير في تفسيره (١١٠٥٨) من طريق أبي حصين عنه بمعناه.
(٣) في أكثر النسخ: «القدحين». والتصويب من ح.
(٤) قول أبي عبيد ومَن بعده منقول من البسيط (٧/ ٢٥٠). وانظر: تهذيب اللغة (٨/ ٤٢٠).
وقال أبو إسحاق الزّجاج١ وغيره: الاستقسام بالأزلام حرام. ولا فرق بين ذلك وبين قول المنجِّم: لا تخرجْ من أجل نجم كذا، واخرُجْ من أجل طلوع نجم كذا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾[لقمان: ٣٤]، وذلك دخول في علم الله ﷿ الذي هو غيب عنا، فهو حرام كالأزلام التي ذكرها الله.
والمقصود أن الناس قد ابتُلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب للشرك والعبادة، والأزلام للتكهُّن، وطلب عِلْم ما استأثر الله به، هذه للعلم، وتلك للعمل، ودين الله سبحانه مضادّ لهذا وهذا، والذي جاء به رسول الله ﷺ إبطالهما، وكسرُ الأنصاب والأزلام.
فمن الأنصاب ما قد نصبه الشيطان للمشركين، من شجرة، أو عمود، أو وثن، أو قبر، أو خشبة، أو غير ذلك، والواجب هدم ذلك كله، ومَحْوُ أثره، كما أمر النبي ﷺ عليًّا ﵁ بهدم القبور المشرفة وتسويتها بالأرض، كما روى مسلم في «صحيحه»٢ عن أبي الهَيّاج الأسدي، قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ أن لا أدع تمثالًا إلا طمستُه، ولا قبرًا مشرفًا الا سوّيتُه.
وعمّى الصحابة بأمر عمر بن الخطاب قبرَ دانيال، وأخفاه عن الناس٣.
(١) معاني القرآن (٢/ ١٤٧). وانظر: البسيط (٧/ ٢٥٣).