إغاثة اللهفان

وقد أمر النبي ﷺ بهدم القبور المشرفة كما تقدم. فهدم القباب والبناء والمساجد التي بُنيتْ عليها أولى وأحرى؛ لأنه لَعَن مُتخذي المساجد عليها، ونهى عن البناء عليها، فيجب المبادرة والمساعدة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، ونهى عنه، والله يُقيم لدينه وسُنّة رسوله من ينصرهما، ويَذُبّ عنهما، فهو أشد غيرةً وأسرع تغييرًا.

وكذلك يجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر وطَفْيُه؛ فإن فاعل ذلك ملعون بلعنة رسول الله ﷺ، ولا يصحُّ هذا الوقف، ولا يحل إثباته وتنفيذه.

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي١: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البُرْءَ والشفاء من قِبَلها، ويضربون بها المسامير والخِرَق؛ فهي ذات أنواط، فاقطعوها.

وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب «الحوادث والبدع»٢: ومن هذا القسم أيضًا: ما قد عَمَّ به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامّة تخليق الحيطان والعُمُد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحدًا ممن شُهِرَ بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك٣، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى ان يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم بالنذر لها، وهي من بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر.

  1. (١) في كتابه «الحوادث والبدع» (ص ١٠٥).
  2. (٢) هو «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص ٣٤ وما بعدها).
  3. (٣) «ذلك» ساقطة من م.
381

وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعُوينة الحمى خارج باب تُوماء١، والعمود المخلّق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهّل الله تعالى قطْعها واجتثاثَها من أصلها! فما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث.

ثم ساق حديث أبي واقدٍ: أنهم مَرّوا مع رسول الله ﷺ بشجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، وأنهم قالوا لرسول الله ﷺ اجعلْ لنا ذاتَ أنواط كما لهم ذاتُ أنواط، فقال النبي ﷺ: «الله أكبر! هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لترْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم». قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»٢.

ثم ذكر ما صنعه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية، أنه كان إلى جانبه عين تُسمى عين العافية، كان [٦٠ أ] العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذّر عليه نكاحٌ أو ولد قال: امضُوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة٣، فخرج في السَّحَر فهدمها، وأذّن للصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسًا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن.

وقد كان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسّر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحِّدين، كالعامود المخَلّق، والنُّصْب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى ىعبده الجهال، والنُّصْب الذي كان تحت الطاحون، الذي عند مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك به، وكان صورة

  1. (١) في الأصل: «توما»، وهي ممدودة كما في معجم البلدان (٢/ ٥٩).
  2. (٢) تقدم تخريجه.
  3. (٣) ح: «الفقيه».
382

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي