إغاثة اللهفان

فإن من اقتفى آثارهم كان متسبِّبًا١ إلى تكثير أجورهم؛ باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتّباعهم، فإذا أعرض عمَّا دعوا إليه، واشتغل بضدّه، حَرَمَ نفسَه وحَرَمَهم ذلك الأجرَ، فأيّ تعظيم لهم واحترام في هذا؟

وإنما اشتغل كثير من الناس بأنواع من العبادات المُبتدَعَة، التي يكرهها الله ورسوله؛ لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإن قاموا بصورته الظاهرة فقد هَجروا حقيقته المقصودة منه؛ وإلا فَمَن٢ أقْبَلَ على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عارفًا بما اشتملت عليه من الكلِم الطيب والعمل الصالح، مُهتمًّا بها كل الاهتمام، أغْنَتْه عن الشرك، وكلُّ من قَصّر فيها أو في بعضها تجد فيه من الشرك بحسب ذلك.

ومن أصغى إلى كلام الله٣ بقلبه، وتدبّره وتفهّمه، أغناه عن السّماع الشيطاني الذي يصُدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ويُنبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول ﷺ بكلّيته، وحدّث نفسه باقتباس الهدَى والعلم منه لا من غيره، أغناه عن البدع والآراء والتخرّصات والشطَحات والخيالات، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها.

ومن بَعُدَ عن ذلك فلا بدّ له أن يتعوَّض عنه بما لا ينفعه، كما أن من عَمَرَ قلبه بمحبّة الله وذِكْرِه، وخشيته، والتوكل عليه، والإنابة إليه، أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه أيضًا عن عِشْق الصور، وإذا خلا من ذلك صار عبد هواه، أيُّ شيء استحسنه ملكه واستعبده.

  1. (١) الأصل، م، ش: «منتسبا». والمثبت من بقية النسخ.
  2. (٢) الأصل: «فمتى».
  3. (٣) زاد في ح: «ورسوله».
386

فالمُعْرِض عن التوحيد مشركٌ شاء أم أبى، والمُعْرض عن السنة مبتدع ضالٌّ شاء أم أبى، والمُعْرِض عن محبة الله وذكره عبد الصّورِ شاء أم أبى، والله المستعان، وعليه التُّكْلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فصل

فإن قيل: فما الذي أوقع عُبّاد القبور في الافتتان بها، مع العلم بأن ساكنيها أموات، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا [٦١ أ] ولا حياة ولا نشورًا؟

قيل: أوقعهم في ذلك أمور:

منها: الجهل بحقيقة ما بعث اللهُ به رسولَه بل جميعَ الرسل من تحقيق التوحيد، وقَطْع أسباب الشرك، فقلّ نصيبُهم جدًّا من ذلك، ودعاهم الشيطانُ إلى الفتنة، ولم يكن عندهم من العلم ما يُبطل دعوته، فاستجابوا له بحسب ما عندهم من الجهل، وعُصِموا بقدر ما معهم من العلم.

ومنها: أحاديث مكذوبة مُختلَقة، وضعها أشباه عُباد الأصنام من المقابرية على رسول الله ﷺ، تُناقض دينَه وما جاء به، كحديث: «إذا أعْيَتكُم الأمور فعليكم بأصحاب القبور»١، وحديث: «لو أحسَنَ أحدُكم ظنَّه بحجرٍ نفعه»٢، وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقِضةٌ لدين الإسلام،

  1. (١) قال ابن تيمية كما في المجموع (١/ ٣٥٦): «هذا الحديث كذب مفترى على النبي ﷺ بإجماع العارفين بحديثه، لم يروه أحد من العلماء بذلك، ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة»، وقال (١١/ ٢٩٣): «هو كذب باتفاق أهل المعرفة، وإنما هذا وَضعُ مَن فتح باب الشرك».
  2. (٢) قال ابن تيمية كما في المجموع (٢٤/ ٣٣٥): «هذا من المكذوبات التي لم يروها أحد من علماء المسلمين، ولا هو في شيء من كتب الحديث»، وقال (١١/ ٥١٣): «هو من كلام أهل الشرك والبهتان»، وقال ابن القيم في المنار المنيف (٣١٩): «هو من وضع المشركين عباد الأوثان»، وقال ابن حجر ــ كما في المقاصد الحسنة (ص ٥٤٢) ــ والغزي في الجد الحثيث (٣٩١)، والعجلوني في كشف الخفاء (٢٤٦٢)، ومحمد الأمير المالكي في النخبة البهية (٢٦٩): «لا أصل له»، وأورده الفتّني في تذكرة الموضوعات (ص ٢٨)، والقاري في الأسرار المرفوعة (٣٧٦)، والكرمي في الفوائد الموضوعة (١٨٨)، والقاوقجي في اللؤلؤ المرصوع (٤٤٥).
387

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي