مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]، وقد قال الخليل: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فقال الله ﷾: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾[البقرة: ١٢٦].
فليس كلُّ من أجاب الله دعاءه يكون راضيًا عنه، ولا محبًّا له، ولا راضيًا بفعله، فإنه يجيب البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر. وكثير من الناس يدعو دعاءً يَعْتدي فيه، أو يُشرك في دعائه، أو يكون مما لا يجوز أن يُسأل، فيحصل له ذلك أو بعضه، فيظن أن عمله صالح مُرضٍ لله، ويكون بمنزلة من أُمْلِيَ له، وأُمِدّ بالمال والبنين، وهو يظن أن الله يُسارع له في الخيرات، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾[الأنعام: ٤٤].
فالدعاء قد يكون عبادة، فيثاب عليه الداعي، وقد يكون دعاءَ مسألةٍ تُقضى به حاجته، ويكون مضرةً عليه، إما أن يعاقب بما يحصل له، أو تنقص به درجته، فتُقضى حاجتُه، ويعاقبه على ما جرى عليه من إضاعة حقوقه، وارتكاب حدوده.
والمقصود أن الشيطان بلُطف كيده يُحسِّن الدعاء عند القبر، وأنه أرجح منه في بيته ومسجده وأوقات الأسحار، فإذا تقرر ذلك عنده نقله درجةً أخرى، من الدعاء عنده إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، وهذا أعظم من الذي قبله؛ فإن شأن الله أعظم من أن يُقسَم عليه، أو يُسألَ بأحدٍ من خلقه، وقد أنكر أئمة الإسلام ذلك.
فقال أبو الحسين القُدُورى في شرح «كتاب الكَرْخي»١: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي [٦١ ب] لأحد أن يدعو الله إلا به، قال: وأكره أن يقول: أسألك بمَعْقِد العزِّ من عرشك، وأكره أن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام».
قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم؛ لأنه لا حقَّ لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه.
وأما قوله: «بمعْقد العِزِّ من عرشك» فكرهه أبو حنيفة، ورخّص فيه أبو يوسف. قال: وروي أن النبي ﷺ دعا بذلك٢. قال: ولأن مَعْقد العزّ من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش، مع عظمته، فكأنه سأله بأوصافه.
(١) شرح مختصر الكرخي مخطوط. والمسألة مذكورة في الهداية للمرغيناني (٤/ ٩٦)، ونتائج الأفكار لقاضي زاده أفندي (١٠/ ٦٤)، والفتاوى الهندية (٥/ ٣١٨)، وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٩٥ - ٣٩٧). وفي نسخة ح: «أبو الحسن» وهو تصحيف.
(٢) رواه الحاكم في المائة له ــ كما في القول البديع (ص ٣٢٩) ــ والبيهقي في الدعوات الكبير (٣٩٢) والديلمي في مسند الفردوس (١٨٤٥) من حديث ابن مسعود ﵁، ومن طريق الحاكم رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٤٢) وقال: «هذا حديث موضوع بلا شك»، ونقل ابن عرّاق في تنزيه الشريعة (٢/ ١٣٣) عن العراقي أنه ضعف إسناده في شرح الترمذي وأنه قال: «ومع ذلك فهو شاذّ مخالف للأحاديث الصحيحة»، وقال السخاوي: «سنده واه بمرة، وأصح أسانيده ما رواه هشيم بن أبي ساسان عن ابن جريج عن عطاء قولَه»، وحكم عليه بالوضع الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص ٢١١)، وابن باز في فتاويه (٢٦/ ٢٧٠، ٣٥٤)، والألباني في ضعيف الترغيب (٤١٨). وفي الباب عن أبي هريرة وأبي بكر ﵄ ولا يثبتان. وانظر: التنبيه على مشكلات الهداية لابن أبي العز (٥/ ٨٠٤).