إغاثة اللهفان

فقال أبو الحسين القُدُورى في شرح «كتاب الكَرْخي»١: قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة: «لا ينبغي [٦١ ب] لأحد أن يدعو الله إلا به، قال: وأكره أن يقول: أسألك بمَعْقِد العزِّ من عرشك، وأكره أن يقول: بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام».

قال أبو الحسين: أما المسألة بغير الله فمنكرة في قولهم؛ لأنه لا حقَّ لغير الله عليه، وإنما الحق لله على خلقه.

وأما قوله: «بمعْقد العِزِّ من عرشك» فكرهه أبو حنيفة، ورخّص فيه أبو يوسف. قال: وروي أن النبي ﷺ دعا بذلك٢. قال: ولأن مَعْقد العزّ من العرش إنما يراد به القدرة التي خلق الله بها العرش، مع عظمته، فكأنه سأله بأوصافه.

  1. (١) شرح مختصر الكرخي مخطوط. والمسألة مذكورة في الهداية للمرغيناني (٤/ ٩٦)، ونتائج الأفكار لقاضي زاده أفندي (١٠/ ٦٤)، والفتاوى الهندية (٥/ ٣١٨)، وحاشية ابن عابدين (٦/ ٣٩٥ - ٣٩٧). وفي نسخة ح: «أبو الحسن» وهو تصحيف.
  2. (٢) رواه الحاكم في المائة له ــ كما في القول البديع (ص ٣٢٩) ــ والبيهقي في الدعوات الكبير (٣٩٢) والديلمي في مسند الفردوس (١٨٤٥) من حديث ابن مسعود ﵁، ومن طريق الحاكم رواه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٤٢) وقال: «هذا حديث موضوع بلا شك»، ونقل ابن عرّاق في تنزيه الشريعة (٢/ ١٣٣) عن العراقي أنه ضعف إسناده في شرح الترمذي وأنه قال: «ومع ذلك فهو شاذّ مخالف للأحاديث الصحيحة»، وقال السخاوي: «سنده واه بمرة، وأصح أسانيده ما رواه هشيم بن أبي ساسان عن ابن جريج عن عطاء قولَه»، وحكم عليه بالوضع الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص ٢١١)، وابن باز في فتاويه (٢٦/ ٢٧٠، ٣٥٤)، والألباني في ضعيف الترغيب (٤١٨). وفي الباب عن أبي هريرة وأبي بكر ﵄ ولا يثبتان. وانظر: التنبيه على مشكلات الهداية لابن أبي العز (٥/ ٨٠٤).
390

وقال ابن بَلْدَجِيٍّ في «شرح المختار»١: ويُكره أن يدعو الله تعالى إلا به، فلا يقول: أسألك بفلان، أو بملائكتك، أو بأنبيائك ونحو ذلك؛ لأنه لا حقَّ للمخلوق على خالقه، أو يقول في دعائه: أسألك بمعقد العزّ من عرشك. وعن أبى يوسف جوازه.

وما يقول فيه أبو حنيفة وأصحابه: «أكره كذا»، هو عند محمد حرام، وعند أبى حنيفة وأبى يوسف هو إلى الحرام أقرب، وجانب التحريم عليه أغلب.

وفى «فتاوى أبى محمد بن عبد السلام»٢: أنه لا يجوز سؤال الله سبحانه بشيء من مخلوقاته: لا الأنبياء، ولا غيرهم، وتوقف في نبينا ﷺ، لاعتقاده أن ذلك جاء في حديث، وإن٣ لم يعرف صحة الحديث.

فإذا قرّر الشيطان عنده أن الإقسام على الله به، والدعاء به أبلغ في تعظيمه واحترامه، وأنجَعُ في قضاء حاجته، نقله درجةً أخرى إلى دعائه نفسه من دون الله. ثم ينقله بعد ذلك درجة أخرى إلى أن يتخذ قبرَه وثنًا، يعكُف عليه، ويوقد عليه القنديل، ويعلّق عليه الستور، ويبني عليه المسجد، ويعبده بالسجود له، والطواف به، وتقبيله، واستلامه، والحج إليه، والذّبح عنده. ثم ينقله درجة أخرى إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيدًا ومَنْسكًا، وأن ذلك أنفع لهم في دنياهم وآخرتهم.

قال شيخنا قدَّس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب:

  1. (١) الاختيار لتعليل المختار (٤/ ١٧٥).
  2. (٢) ص ٨٣.
  3. (٣) كذا في الأصل، وفي بعض النسخ: «وأنه».
391

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي