إغاثة اللهفان

أحدها: تذكّر الآخرة، والاعتبار والاتعاظ، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك بقوله: «زوروا القبور؛ فإنها تُذكِّركم الآخرة»١.

الثاني: الإحسان إلى الميت، [٦٢ أ] وأن لا يطول عَهْده به، فيهجره، ويتناساه، كما إذا ترك زيارة الحيّ مدة طويلةً تناساه، فإذا زار الحيّ فرح بزيارته وسُرَّ بذلك، فالميت أولى؛ لأنه قد صار في دار قد هَجر أهلَها إخوانُهم وأهلُهم ومعارفُهم، فإذا زاره وأهدى إليه هديةً من دعاءٍ، أو صدقة، أو أهدى قربةً، ازداد بذلك سروره وفرحه، كما يُسرّ الحيُّ بمن يزوره ويهدي له.

ولهذا شرع النبي ﷺ للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة، وسؤال العافية فقط، ولم يشرع أن يدعوهم، ولا يدعو بهم، ولا يُصلِّي عندهم.

الثالث: إحسان الزائر إلى نفسه باتّباع السنة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﷺ، فيحسن إلى نفسه وإلى المزور.

وأما الزيارة الشركية: فأصلها مأخوذ عن عُبّاد الأصنام.

قالوا: الميت المعظّم الذي لروحه قربٌ ومزيَّة عند الله، لا تزال تأتيه الألطاف من الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علّق الزائرُ روحه به، وأدناها منه، فاضَ من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له.

قالوا: فتمامُ الزيارة: أن يتوجّه الزائر بروحه وقلْبه إلى الميت، ويعكُف

  1. (١) تقدم تخريجه.
393

بهمَّته عليه، ويُوجِّه قصده كله وإقباله عليه، بحيث لا يبقى فيه التفاتٌ إلى غيره، وكلما كان جمعُ الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به.

وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه: ابن سينا والفارابي وغيرهما. وصرح بها عُبّاد الكواكب في عبادتها، وقالوا: إذا تعلقت النفس الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور.

وبهذا السر عُبدت الكواكب، واتُّخذت لها الهياكل، وصُنّفت لها الدعوات، واتخذت الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعبّاد القبور اتخاذها أعيادًا، وتعليق الستور عليها، وإيقاد السّرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي قصد رسول الله ﷺ إبطاله ومحوه بالكُلِّيَّة، وسدّ الذرائع المفْضية إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضُوه في قصده، وكان ﷺ في شِقٍّ، وهؤلاء في شِقٍّ.

وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنُّوا أن آلهتهم تنفعهم بها، وتشفع لهم عند الله.

قالوا: فإن العبد إذا تعلَّقت روحه بروح الوجيه المقرّب عند الله، وتوجَّه بهمَّته إليه، وعكف بقلبه عليه؛ صار بينه وبينه اتصال، يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبَّهوا ذلك بمن يخدُم ذا جاهٍ وحظوة وقُرْبٍ من السلطان، فهو شديد التعلق به، فما يحصل لذلك من السلطان من الإنعام والإفضال، ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلُّقه به.

فهذا سرُّ عبادة الأصنام، وهو الذي بعث الله رسله وأنزل كتبه بإبطاله، وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم وأموالهم، وسَبَى ذراريهم، وأوجب لهم النار.

394

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي