إغاثة اللهفان

فاشتعلت. فيا أيها الفاتن المفتون! والبائع حظَّه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسرٍ مغبون! هلَّا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد؟ وهذه الأحوال السَّنِيَّات عند تلاوة السور والآيات؟

ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجِنسِيّة علَّة الضم قدرًا وشرعًا، والمشاكلة سبب الميل عقلًا وطبعًا، فمن أين هذا الإخاء والنسب لولا التعلُّق من الشيطان بأقوى سبب؟ ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللًا؟ ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].

ولقد أحسن القائل١:

تُلِيَ الكتَابُ فأطْرَقُوا لا خِيفَةًلكِنَّهُ إِطْرَاقُ سَاهٍ لاهِي
وأتَى الغِنَاءُ فكالحَميرِ تَنَاهَقُواوَاللهِ مَا رَقَصُوا لأجْلِ اللهِ
دُفٌّ وَمِزْمَارٌ وَنغْمَةُ شَادِنٍفمتَى رَأَيتَ عِبَادَةً بملاهي
ثَقُلَ الكِتَابُ عليهمُ لَمَّا رَأوْاتَقْيِيدَهُ بأَوَامِرٍ وَنَوَاهِي
سَمِعُوا له رَعْدًا وبَرْقًا إِذْ حَوَىزَجْرًا وتخوِيفًا بِفِعْلِ مَنَاهِي
وَرَأَوْهُ أَعْظمَ قاطعٍ لِلنَّفسِ عَنْشهَوَاتِها يَا ذَبْحَهَا٢ المُتَنَاهِي
وَأتى السماعُ مُوافِقًا أَغْرَاضَهافَلأَجْلِ ذاكَ غَدَا عَظِيمَ الجاهِ
أيْنَ المُسَاعِدُ لِلْهَوَى مِنْ قاطعٍأَسْبَابَهُ عِنْدَ الجَهُولِ السَّاهي
  1. (١) أوردها المؤلف في مدارج السالكين (١/ ٤٨٧، ٤٨٨)، ومنها أربعة أبيات في جامع المسائل (١/ ٩١). ولعل البقية من نظم المؤلف.
  2. (٢) ح: «يا ويحها».
402
إنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الجُسُومِ فإنَّهُخَمْرَ العُقولِ مُمَاثِلٌ وَمُضَاهِي
فانْظُرْ إِلى النَّشْوَان عِنْدَ شَرَابَهوانْظُرْ إلى النِّسْوَانِ عِنْدَ مَلاهِي
وانظُرْ إِلى تمْزِيقِ ذَا أَثوَابَهُمِن بَعْدِ تمزيقِ الفُؤَادِ اللاهِي
واحْكُمْ بأيّ الخَمْرَتَيْن أحَقّ بالـتَّحْريمِ والتَّأْثِيمِ عِنْدَ الله

وقال آخر١:

برِئْنَا إِلَى اللهِ منْ مَعْشَرٍبهِمْ مَرَضٌ مِنْ سَمَاعِ الغِنَا
وكم قلْتُ يَا قَوْمِ أَنْتُمْ عَلَىشَفَا جُرُفٍ مَا بِهِ مِنْ بِنَا
شَفَا جُرُفٍ تحْتَهُ هُوَّةٌإِلى دَرَكٍ كَمْ بِهِ مِنْ عَنا
وتَكْرَارُ ذَا النُّصْحِ مِنّا لَهُمْلنُعْذِرَ فِيهِمْ إِلى ربَّنا
فَلمَّا اسْتَهانُوا بَتَنْبِيهنَارَجَعْنَا إِلى الله في أَمْرِنا
فعِشْنَا عَلَى سُنَّةِ المُصْطَفَىوَمَاتوُا عَلَى تَاتَنَا تَنْتَنَا

ولم يزل أنصارُ الإسلام وأئمة الهُدى تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض، وتُحذِّر من سلوك سبيلهم، واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة.

  1. (١) لعل الأبيات للمؤلف، وقد نظر فيها إلى ما أنشده القاضي أبو بكر ابن العربي في كتاب «الشفا» لابن سينا:
    برِئْنَا إِلَى اللهِ منْ مَعْشَرٍ ... بهِمْ مَرَضٌ مِنْ كتاب الشفا
    وكم قلْتُ يَا قَوْم أَنْتُمْ عَلَى ... شَفَا جُرُفٍ من كتاب الشفا
    فَلمَّا اسْتَهانُوا بَتَنْبِيهنَا ... رَجَعْنَا إِلى اللهِ حتى كفَى
    فماتوا على دين رسطالسٍ ... وعشنا على مِلَّة المصطفى
    انظر: الرد على المنطقيين (ص ٥١٠، ٥١١).
403

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي