إغاثة اللهفان

الخامس: أن الزمر حرام. وإذا كان الزمر ــ الذي هو أخفّ آلات اللهو ــ حرامًا، فكيف بما هو أشدّ منه؛ كالعود، والطّنْبور، واليرَاع؟

ولا ينبغي لمن شَمّ رائحة العلم أن يتوقّف في تحريم ذلك، فأقل ما فيه: أنه من شِعار الفُسّاق وشاربي الخمور.

وكذلك قال أبو زكريا النواوي في «روضته»١: «القسم الثاني: أن يغُنِّي ببعض آلات الغناء، مما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مُطْرِبٌ، كالطنبور والعود والصّنْج، وسائر المعازف والأوتارـ يحرم استماعه واستعماله».

قال: وفي اليَراع وجهان، صحّح البغويُّ التحريم.

ثم ذكر عن الغزالي الجواز.

قال: والصحيح تحريم اليراع، وهو الشّبّابة.

وقد صنف أبو القاسم الدَّوْلَعي كتابًا في تحريم اليراع.

وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدّفّ والشّبّابة، فقال في «فتاويه»٢: «وأما [٦٥ أ] إباحةُ هذا السماع وتحليله فليُعْلَم أن الدُفّ والشّبّابة والغناء إذا اجتمعت، فاستماع ذلك حرام، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين، ولم يثبت عن أحد ممن يُعتدّ بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نُقل في الشّبّابة مفردة، والدف مفردًا، فمن لا يُحَصِّلُ أو لا يتأملُ ربما اعتقد خلافًا بين الشافعيين في هذا السماع

  1. (١) روضة الطالبين (١١/ ٢٢٨).
  2. (٢) (٢/ ٥٠٠).
407

الجامع هذه الملاهي، وذلك وَهم بَيِّنٌ من الصَّائر إليه، تُنادي عليه أدلة الشرع والعقل. مع أنه ليس كل خلاف يُسْتَرْوَحُ إليه، ويعتمد عليه، ومن تَتبَّع ما اختلف فيه العلماء، وأخذ بالرخص من أقاويلهم، تزندق أو كاد.

قال: وقولهم في السماع المذكور: إنه من القُربات والطاعات؛ قول مخالف لإجماع المسلمين، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]».

وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بَلاءُ الإسلام منهم: المحلِّلون لما حَرّم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه.

والشافعي وقُدماء أصحابه والعارفون بمذهبه من أغلظ الناس قولًا في ذلك.

وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: «خلَّفتُ ببغداد شيئًا أحدثَتْه الزّنادقة، يُسَمّونه التّغْبير، يصدُّون به الناس عن القرآن»١.

فإذا كان هذا قولَه في التغبير، وتعليله أنه يصدّ عن القرآن، وهو شِعْرٌ يُزهِّد في الدنيا، يغنِّي به مُغنٍّ، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نِطْع أو مَخَدّة على توقيع غنائه؛ فليت شِعري ما يقول في سماعٍ التغبيرُ عنده كتَفْلةٍ٢ في بحر؛ قد اشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرّمٍ؟ فالله بيْن

  1. (١) انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال (ص ١٦٨) وتلبيس إبليس (ص ٢٣٠).
  2. (٢) في بعض النسخ: «كنقطة».
408

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي