ﷺ قال: «لا تَبيعوا القَيناتِ، ولا تشتروهنَّ، ولا تُعلِّموهن، ولا خيرَ في تجارةٍ فيهنَّ، وثمنهن حرام»، في مثل هذا نزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾[لقمان: ٦].
وهذا الحديث وإن كان مداره على عبيد الله بن زَحْرٍ عن علي بن يزيد عن القاسم، فعبيد الله بن زحر ثقة، والقاسم ثقة، وعلي ضعيف؛ إلا أن للحديث شواهد ومتابعات، سنذكرها إن شاء الله.
ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء، فقد صحَّ ذلك عن ابن عباس١ وابن مسعود.
قال أبو الصهباء: سألت ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾؟ فقال: والله الذي لا إله غيره؛ هو الغناء، يُردِّدها ثلاث مرات٢.
وصح عن ابن عمر ﵄ أيضًا: أنه الغناء٣.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) لم أقف على تفسيره موصولا، وذكره النحاس في معاني القرآن (٥/ ٢٧٨)، والقرطبي في تفسيره (١٤/ ٥٢).
قال الحاكم أبو عبد الله في «التفسير»، من كتابه «المستدرك»١: «ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل ــ عند الشيخين ــ حديثٌ مسند».
وقال في موضع آخر من كتابه: «هو عندنا في حكم المرفوع».
وهذا ــ وإن كان فيه نظر ــ فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير مَنْ بَعدهم؛ فهم أعلم الأمة بمراد الله من كتابه، فعليهم نزل، وهم أولُ من خُوطِبَ٢ به من الأمّة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول ﷺ علمًا وعملًا، وهم العرب الفُصحاء على الحقيقة، فلا مَعدلَ عن تفسيرهم ما وُجد إليه سبيل.
ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء، وتفسيرها بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم، ونحو ذلك مما كان النضر بن الحارث يُحدِّث به أهل مكة، ليشغلهم به عن القرآن، فكلاهما لهو الحديث.
ولهذا قال ابن عباس: «لهو الحديث: الباطل والغناء»٣.
فمن الصحابة مَن ذكر هذا، ومنهم من ذكر الآخر، ومنهم من جمعهما.
(١) (٢/ ٢٥٨).
(٢) م: «حفظ».
(٣) روى الطبري (٢٠/ ١٢٨) عن ابن عباس في تفسير لهو الحديث قال: «باطل الحديث؛ هو الغناء ونحوه»، وعزاه في الدر المنثور (٦/ ٥٠٤) للفريابي وابن مردويه. وورد تفسير لهو الحديث بالباطل والغناء مجموعَين عن عطاء الخراساني، رواه عنه ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى كما في الدر المنثور (٦/ ٥٠٥، ٥٠٧).