إغاثة اللهفان

وقال شُعبة١: حدثنا الحكَم، عن حمادٍ، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله بن مسعود: «الغناء يُنبت النفاق في القلب».

وهو صحيح عن ابن مسعود من قوله.

وقد روي عن ابن مسعود مرفوعًا، رواه ابن أبى الدنيا في كتاب «ذم الملاهي»٢: أخبرنا عصمة بن الفضل، حدثنا حَرَميّ بن عُمارة، حدثنا سلّام بن مِسكين، حدثنا شيخ، عن أبى وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «الغناء يُنبت النفاق في القلب كما يُنبت الماء البَقلَ».

وقد تابع حرميَّ بن عمارة عليه بهذا الإسناد والمتن مُسلمُ بن إبراهيم:

قال أبو الحسين بن المنادي في كتاب «أحكام الملاهي»٣: حدثنا

  1. (١) رواه ابن أبي الدنيا (٣١، ٣٤، ٣٦) ــ وعنه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٢٣) والشعب (٤/ ٢٧٨) ــ، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٦٨٠). ورواه ابن أبي الدنيا (٣٥) ــ وعنه البيهقي في الشعب (٤/ ٢٧٩) ــ من طريق منصور عن حماد به. ورواه ابن أبي الدنيا (٣٩) من طريق العوام عن حماد عن ابن مسعود به. وصححه الألباني في تحريم آلات الطرب (ص ١٤٥). قال ابن طاهر في كتاب السماع (ص ٨٨): «أصح الأسانيد فيه أنه من قول إبراهيم».
  2. (٢) ذم الملاهي (٤١)، ومن طريق ابن أبي الدنيا رواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٢٣).
  3. (٣) رواه أبو داود (٤٩٢٩) عن مسلم بن إبراهيم به، وضعّفه ابن حزم في المحلى (٩/ ٥٧)، وابن الملقن في البدر المنير (٩/ ٦٣٣)، والعراقي في المغني (٢٢٠٦)، وهو في السلسلة الضعيفة (٢٤٣٠)، ورجّح ابن قدامة في المغني (١٢/ ٤٢) وابن رجب في نزهة الأسماع (ص ٣٧) وقفَه. وفي الباب عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وأنس ﵃ ولا تصحّ.
438

محمد بن على بن عبد الله بن حمدان المعروف بحمدان الوَرَّاق، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سلّام بن مسكين، فذكر الحديث.

فمداره على هذا الشيخ المجهول، وفي رفعه نظر، والموقوف أصح.

فإن قيل: فما وجه إنباتِه للنفاق في القلب من بين سائر المعاصي؟

قيل: هذا من أدلِّ شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها، ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها، وأنهم هم أطباء القلوب، دون المنحرفين عن طريقتهم، الذين داوَوا أمراض القلوب بأعظم أدوائها، فكانوا كالمداوي من السّقم بالسُّم القاتل، وهكذا والله فعلوا بكثير من الأدوية التي ركَّبوها، أو بأكثرها، فاتفق قِلّةُ الأطباء، وكثرة المرضى، وحدوث أمراض مُزمنةٍ لم تكن في السلف، والعدولُ عن الدواء النافع الذي ركّبه الشارع، وميل المريض إلى ما يقوِّي مادة المرض، فاشتد البلاء، وتفاقم الأمر، وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى، وقام كل جهول يَطُبُّ الناس.

فاعلم أن للغناء خواص لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق، ونباته فيه كنبات الزرع بالماء.

فمن خواصِّه: أنه يُلهي القلب ويصدُّه عن فهم القرآن وتدبُّره، والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدًا؛ لما بينهما من التضادّ؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعِفَّة، ومُجانبة شهوات النفوس وأسباب الغيّ، وينهى عن اتباع خُطُوات الشيطان. والغناء يأمر بضد ذلك كلِّه، ويُحسِّنه، ويُهيِّج النفوس إلى شهوات الغيِّ، فيُثِير كامِنَها، ويُزعجُ قاطنها، ويُحرِّكها إلى كل [٧١ أ] قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمرُ رضيعا لبانٍ، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان، فإنه صِنوُ

439

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي