إغاثة اللهفان

«إن إبليس لما أُنزل إلى الأرض قال: يا رب! أنزلتني إلى الأرض، وجعلتني رجيمًا، فاجعل لي بيتًا، قال: الحمَّامُ، قال: فاجعل لي مجلسًا، قال: الأسواق ومجامع الطرق، قال: فاجعل لي طعامًا، قال: كل ما لم يذكر اسم الله عليه، قال: اجعل لي شرابًا، قال: كل مسكر، قال: فاجعل لي مؤذنًا، قال: المزمار، قال: اجعل لي قرآنًا، قال: الشِّعْر، قال: اجعل لي كتابًا، قال: الوشم، قال: اجعل لي حديثًا، قال: الكذب، قال: اجعل لي رسلًا، قال: الكهنة، قال: اجعل لي مصايد، قال: النِّساء».

وشواهد هذا الأثر كثيرة، فكل جملة منه لها شاهد من السنة أو من القرآن:

فكون السِّحر من عمل الشيطان؛ شاهده قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

وأما كون الشعر قرآنه فشاهده: ما رواه أبو داود في «سننه»١ من

  1. (١) سنن أبي داود (٧٦٤) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن ابن جبير عن أبيه به، وبهذا الإسناد رواه ابن الجعد (١٠٥)، وأحمد (٤/ ٨٥)، وابن ماجه (٨٠٧)، وأبو يعلى (٧٣٩٨)، وابن الجارود (١٨٠)، وابن حبان (١٧٨٠، ٢٦٠١)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٣٤)، إلا أن التفسير عندهم جميعًا وعند غيرهم أيضًا من قول عمرو بن مرة، وفي إسناد الحديث اختلاف، وقد ضعفه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٣٩)، وابن المنذر في الأوسط، وهو مخرج في الإرواء (٢/ ٥٤). وورد هذا التفسير أيضًا عن رجل من جهينة مرفوعًا، وعن أبي سلمة والحسن مرسلا، ومن كلام ابن مسعود وجعفر بن سليمان وعطاء بن السائب وغيرهم، وقد تقدم بيان ذلك.
444

حديث جُبير بن مُطعم: أنه رأى رسول الله ﷺ يُصلي، فقال: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بُكرةً وأصيلًا ــ ثلاثًا ــ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه». قال: نفثه: الشعر، ونفخه: الكِبْر، وهمزه: المُوتة.

ولما عَلّم الله رسوله القرآن وهو كلامه؛ صانه عن تعليم قرآن الشيطان، وأخبر أنه لا ينبغي له، فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].

وأما كون الوشم كتابَهُ؛ فإنه من عمله وتزيينه، ولهذا لعن رسول الله ﷺ الواشمة والمستوشمة؛ [٧٢ أ] فلعن الكاتبة والمكتوب عليها.

وأما كون الميتةِ ومتروك التسمية طعامه؛ فإن الشيطان يستحلُّ الطعامَ إذا لم يُذكر اسم الله عليه، ويشارك آكله، والميتة لا يُذكر اسم الله عليها، فهي وكلّ طعام لم يُذكر عليه اسم الله: من طعامه، ولهذا لما سأل الجن الذين آمنوا برسول الله ﷺ الزاد، قال: «لكم كلُّ عَظْمٍ ذُكر اسم الله عليه»١. فلم يُبح لهم طعام الشياطين، وهو متروك التسمية.

وأما كون المُسكِرَ شرابه؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]، فهو شَرِبَ من الشراب الذي عمله أولياؤه بأمره، وشاركهم في عمله، فيشاركهم في عمله وشربه، وإثمه وعقوبته.

وأما كون الأسواق مجلسه؛ ففي الحديث الآخر: «أنه يَرْكُز رايته

  1. (١) أخرجه مسلم (٤٥٠) عن ابن مسعود.
445

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي