إغاثة اللهفان

فصل

وأما تسميته بالصوت الأحمق، [٧٢ ب] والصوت الفاجر:

فهي تسميةُ الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى.

فروى الترمذي١ من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن جابر ﵁ قال: خرج النبي ﷺ مع عبد الرحمن بن عوف إلى النّخْل، فإذا ابنه إبراهيم يجودُ بنفسه، فوضعه في حِجره، ففاضت عيناه، فقال عبد الرحمن: أتبكي، وأنت تَنْهَى الناسَ؟ قال: «إني لم أنْهَ عن البكاء؛ وإنما نهيتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة لهوٍ ولعب ومزامير شيطان، وصوتٍ عند مصيبة: خَمْش وُجوه، وشَقّ جيوب، ورنّةٍ، وهذا هو رحمة،

  1. (١) سنن الترمذي (١٠٠٥) بنحوه، وبهذا الإسناد رواه الطيالسي (١٦٨٣) مختصرًا، وابن أبي شيبة (٣/ ٦٢)، وعبد بن حميد (١٠٠٦)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ٦٩)، ورواه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٣٨) وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٦٤) ــ مختصرًا ــ والبزار (١٠٠١) والطحاوي في شرح المعاني (٦٤٦٨) والحاكم (٦٨٢٥) وغيرهم عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن جابر عن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عوف، وقيل: عنه عن عطاء عن ابن عمر، وروي عن مكحول مرسلًا وليس فيه النهي عن صوت النعمة، قال الدارقطني في العلل (١٢/ ٤٤٨): «اضطرب فيه ابن أبي ليلى»، وقال محمد بن إسحاق السعدي كما في المجروحين لابن حبان (٢/ ٢٤٦): «لو لم يرو ابن أبى ليلى غير هذا الحديث لكان يستحقّ أن يُترك حديثُه»، وضعفه ابن طاهر في كتاب السماع (ص ٨٥)، وحسنه البغوي في شرح السنة (١٥٣٠)، وقال النوويّ في الخلاصة (٢/ ١٠٥٧): «حسّنه الترمذي، وهو من رِواية ابن أبي لَيلى وهو ضعيف، فلعلّه اعتضد»، وهو في السلسلة الصحيحة (٢١٥٧). وفي الباب عن أنس ﵁.
448

ومن لا يرحم لا يُرحم، لولا أنه أمرٌ حق، ووعدٌ صِدق، وأن آخرنا سيلحق أوّلنا؛ لحزنَّا عليك حُزنًا هو أشدّ من هذا، وإنا بك لمحزونون، تبكي العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا نقول ما يُسخط الرب». قال الترمذي: «هذا حديث حسن».

فانظر إلى هذا النهي المؤكّد، بتسميته صوت الغناء صوتًا أحمق، ولم يقتصر على ذلك، حتى وصفه بالفجور، ولم يقتصر على ذلك، حتى سمَّاه من مزامير الشيطان، وقد أقرَّ النبي ﷺ أبا بكر الصديق على تسمية الغناء مَزمور الشيطان في الحديث الصحيح كما سيأتي، فإن لم يستفد التحريم من هذا لم نستفده من نهْيٍ أبدا.

وقد اختُلف في قوله: «لا تفعلْ»، وقوله: «نهيتُ عن كذا»؛ أيهما أبلغُ في التحريم؟

والصواب بلا ريب: أن صيغة «نهيتُ» أبلغ في التحريم؛ لأن «لا تفعلْ» يحتمل النهي وغيره، بخلاف الفعل الصريح.

فكيف يستجيز العارف١ إباحةَ ما نهى عنه رسول الله ﷺ، وسمَّاه صوتًا أحمق فاجرًا، ومزمور الشيطان، وجعلَه والنياحة التي لعن فاعلها أخوين؟ وأخرج النهي عنهما مخرجًا واحدًا، ووصفهما بالحُمق والفجور وصفًا واحدًا؟

وقال الحسن٢: «صوتان ملعونان: مِزمارٌ عند نِعْمة، ورَنّة عند مصيبة».

  1. (١) م: «المعازف».
  2. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٦٥) من طريق صالح المري عن الحسن به، ورواه عبد الرزاق (١١/ ٦) عن معمر عن رجل عن الحسن.
449

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي