الليث، حدثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبى طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ كل داعٍ إلى معصية.
ومن المعلوم أن الغناء من أعظم الدواعي إلى المعصية، ولهذا فُسِّر صوت الشيطان به.
قال ابن أبى حاتم١: حدثنا أبي، أخبرنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قال: «استزِلَّ٢ منهم من استطعت» قال: «وصوتُه الغناء والباطل».
وبهذا الإسناد إلى جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال٣: «صوته المزامير».
ثم روى بإسناده عن الحسن البصري، [٧٣ أ] قال٤: «صوته: هو الدف».
وهذه الإضافة إضافة تخصيص، كما أن إضافة الخيل والرَّجِل إليه كذلك، فكل متكلم بغير طاعة الله، وبصوت يَراع أو مزمار، أو دُفّ حرام، أو طبل؛ فذلك صوت الشيطان، وكل ساعٍ في معصية الله على قدميه فهو من رَجِله، وكل راكب في معصية الله فهو من خَيّالته، كذلك قال السلف.
(١) ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٩٠، ٤٩١) من طريق ابن إدريس عن ليث به، وعزاه في الدر المنثور (٥/ ٣١٢) لسعيد بن منصور وابن المنذر.
(٢) الأصل: «استنزل».
(٣) ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٩٨) من طريق الثوري عن منصور به، ورواه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي (٧٣) من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد به.
(٤) انظر: تفسير ابن أبي زمنين (٣/ ٣٠)، وتفسير السمعاني (٣/ ٢٥٨).
كما ذكر ابن أبى حاتم عن ابن عباس١، قال: «رَجِلُه: كل رِجْلٍ مشت في معصية الله».
وقال مجاهد٢: «كل رِجْلٍ تُقاتل في غير طاعة الله فهو من رَجِله».
وقال قتادة٣: «إن له خيلًا ورَجِلًا من الجن والإنس».
فصل
وأما تسميته مزمورَ الشيطان:
ففي «الصحيحين»٤ عن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وعندي جاريتان تُغنِّيان بغناء بُعَاث، فاضطجع على الفِراش، وحَوَّل وجهه، ودخل أبو بكر ﵁، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي ﷺ؟ فأقبلَ عليه رسول الله ﷺ، فقال: «دعهما»، فلما غفل غمزتُهما، فخرجتا.
فلم ينكر رسول الله ﷺ على أبى بكر تَسميته الغناء مزمار الشيطان، وأقرَّهما؛ لأنهما جاريتان غيرُ مكلَّفتين، تُغنيان بغناء الأعراب، الذي قيل في يوم حرب بُعاثٍ من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد.
(١) ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٩٢) من طريق معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعزاه في الدر المنثور (٥/ ٣١٢) للفريابي وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٤٩٢) من طريق جرير عن منصور عن مجاهد.
(٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٨١)، والطبري في تفسيره (١٧/ ٤٩١) عن معمر عن قتادة.