إغاثة اللهفان

فصل

في بيان تحريم رسول الله ﷺ الصريح لآلات اللهو والمعازف، وسياق الأحاديث في ذلك:

عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: حدثني أبو عامر [٧٣ ب] أو أبو مالك الأشعري، سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي قوم يستحلّون الحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازف».

هذا حديث صحيح، أخرجه البخاري في «صحيحه»١ مُحتجًّا به، وعلّقه تعليقًا مجزومًا به، فقال: «باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويُسمِّيه بغير اسمه، وقال هشام بن عمّارٍ: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قيس الكلابي، حدثني عبد الرحمن بن غنمٍ الأشعري، قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري ــ والله ما كذبني ــ، سمع النبي ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمتي قوم يستحلّون الحِرَ والحَريرَ والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوم إلى جنب عَلَم، يَروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيبيِّتُهم الله، ويضعُ العَلَم، ويمسخ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة».

ولم يصنع من قَدَح في صحة هذا الحديث شيئًا، كابن حزم؛ نُصْرةً لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي، وزعم أنه منقطع؛ لأن البخاري لم يصل سنده به٢.

  1. (١) برقم (٥٥٩٠).
  2. (٢) انظر «المحلى» (٩/ ٥٩) و«نقد حديثين وردا في الصحيحين» (المنشور في مجلة عالم الكتب.
456

وجواب هذا الوهم من وجوه١:

أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام.

الثاني: أنه لو لم يسْمَعْه منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صحَّ عنه أنه حدَّث به، وهذا كثيرًا ما يكون: لكثرة مَنْ رواه عن ذلك الشيخ وشهرته؛ فالبخاري أبعدُ خلق الله من التدليس.

الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بـ «الصحيح» محتجًّا به، فلولا صِحَّتُهُ عنده لما فعل٢ ذلك.

الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض؛ فإذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: ويُروى عن رسول الله ﷺ ويُذكر عنه، نحو ذلك، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ؛ فقد جزم وقطع بإضافته إليه.

الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحًا؛ فالحديث صحيح متصل عند غيره:

قال أبو داود في كتاب اللباس٣: حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَة، حدثنا بشر بن بكر٤، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قَيْس،

  1. (١) انظر نحوها في تهذيب السنن (٤/ ١٨٠١ ــ ١٨٠٣).
  2. (٢) م: «نقل».
  3. (٣) سنن أبي داود (٤٠٤١)، ولفظه: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الخزّ والحرير»، قال: وذكر كلامًا قال: «يمسخ منهم آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
  4. (٤) الأصل: «بكير». وهو تصحيف.
457

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي