إغاثة اللهفان

وجواب هذا الوهم من وجوه١:

أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار، وسمع منه، فإذا قال: قال هشام، فهو بمنزلة قوله: عن هشام.

الثاني: أنه لو لم يسْمَعْه منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد صحَّ عنه أنه حدَّث به، وهذا كثيرًا ما يكون: لكثرة مَنْ رواه عن ذلك الشيخ وشهرته؛ فالبخاري أبعدُ خلق الله من التدليس.

الثالث: أنه أدخله في كتابه المسمى بـ «الصحيح» محتجًّا به، فلولا صِحَّتُهُ عنده لما فعل٢ ذلك.

الرابع: أنه علّقه بصيغة الجزم، دون صيغة التمريض؛ فإذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه يقول: ويُروى عن رسول الله ﷺ ويُذكر عنه، نحو ذلك، فإذا قال: قال رسول الله ﷺ؛ فقد جزم وقطع بإضافته إليه.

الخامس: أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحًا؛ فالحديث صحيح متصل عند غيره:

قال أبو داود في كتاب اللباس٣: حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَة، حدثنا بشر بن بكر٤، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا عطية بن قَيْس،

  1. (١) انظر نحوها في تهذيب السنن (٤/ ١٨٠١ ــ ١٨٠٣).
  2. (٢) م: «نقل».
  3. (٣) سنن أبي داود (٤٠٤١)، ولفظه: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الخزّ والحرير»، قال: وذكر كلامًا قال: «يمسخ منهم آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
  4. (٤) الأصل: «بكير». وهو تصحيف.
457

قال: سمعت عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، قال: حدثنا أبو عامر أو أبو مالك، فذكره مختصرًا.

ورواه أبو بكر الإسماعيلي١ في كتابه «الصحيح» مسندًا، فقال: أبو عامر، ولم يشكّ.

ووجه الدلالة منه: أن المعازف هي آلات اللهو كلُّها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك، ولو كانت حلالًا لما ذَمّهم على استحلالها، ولما قَرَن استحلالها باستحلال الخمر والحِرِ، فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام، وإن كان بالخاء والزاي المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صحَّ عن الصحابة لبسه، إذ الخَزّ نوعان٢؛ أحدهما: من حرير، والثاني: من صوف؛ وقد رُوي هذا الحديث بالوجهين.

وقال ابن ماجه في «سننه»٣: حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا معن بن

  1. (١) رواه البيهقي في الكبرى (٣/ ٢٧٢، ١٠/ ٢٢١) من طريق الإسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان ثنا هشام بن عمار به، ورواه أيضًا من طريقه عن الحسن ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ثنا بشر بن بكر به، وهو عنده من كلا الطريقين بالشكّ.
  2. (٢) يراجع في هذا: مسائل الكوسج (٩/ ٤٢٩٧).
  3. (٣) سنن ابن ماجه (٤٠٢٠)، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة (٥/ ٦٨)، وأحمد (٥/ ٣٤٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠٥، ٧/ ٢٢٢)، وأبو داود (٣٦٩٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٢٨٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٩٥، ١٠/ ٢٢١)، وغيرهم من طرق عن معاوية بن صالح به، وليس عند أحمد وأبي داود ذكر العزف والخسف والمسخ، وصحّحه ابن حبان (٦٧٥٨)، وحسن إسناده ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٧)، وأعلّه ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٣/ ٢٤٥) بجهالة مالك ابن أبي مريم وبالرّاوي عنه، لكن له شواهد كثيرة؛ ولذا صحّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٨)، ففي الباب عن عبادة بن الصامت وأبي أمامة وابن عباس وكيسان أو نافع بن كيسان وعائشة، وسيأتي تخريج بعضها.
458

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي